لبنة في البناء التكويني الاجتماعي، ويشكل وحدة من عناصره الفعالة، ومن ثم فليس المجتمع هو الذي ينبغي له في النهاية أن يكون خادمأ للفرد، أما الاحتجاج بمسئوليته باعتبار فرديته أمام الله فهو ما ينسجم مع قاعدة التكليف وهذا ما نقول به ونعمل بموجبه ولكن هذا لا يعفي الفرد من مسئوليته وممارسة نشاطه بما يخدم المجتمع ويحقق غاياته، لأن من تمام المسؤولية الفردية، هو تكافل الأمة في المسؤولية العامة، لأن الأمة قد تصاب جميعأ بضرر جناه عليها بعض أبناثها فمن واجب كل فرد أن يدفع الشر عن نفسه وعن غيره، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّة javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) وعلى كل فرد أن يبذل في دفع الشر جهد ما يستطيع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) ولعل في تقييد الحق الفردي عموما والحرية الاقتصادية واحدة منها بأن تعمل في إطار المشروعية وما رسمه الشارع له دلالة قوية في أن الشارع قد جعل هذا الحق خادما للمجتمع ويسعى إلى تحقيق غاياته، وفي حديث السفينة الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وسلم) ما يؤكد هذه المسؤولية، وشركة الأمة العامة فيها والذي فيه (مثل المداهن في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه فقالوا: مالك؟ .. قال: تأذيتم بي، ولا بد لي من الماء فإن أخذوا على يديه نجوا ونجوا أنفسهم وان تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) فواضح أن الذي أراد خرق السفينة إنما كان يتصرف في خالص حقه وملكه بدلالة قوله (استهموا سفينة) أي: اقترعوها فأخذ كل واحد منهم نصيبه من السفينة، وهكذا تحددت حرية الفود ضمن الإطار الذي يحقق مصلحة الجماعة، ويتطابق مع غاياتها وأهدافها.
ومن هنا فإن تعاريف الفقهاء للملك قد جاءت لتؤكد هذا المعنى وتدعمه، إذ جاء تعريفه عندهم بأنه تمكن الإنسان شرعا بنفسه، أو نيابة عنه من الانتفاع بالعين، ومن أخذ العوض، أو من تمكنه من الانتفاع خاصة، فهذا التعريف يبين أن الملك هو التمكن من الانتفاع وهذا إنما يتم بسلطان من الشارع، فالملك في حقيقته وجوهره هو منحة الشارع الذي أعطى الإنسان الملك بترتيبه على السبب الشرعي، فهو حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء وأخذ العوض عنه وتعريفات الفقهاء وان اختلفت في المبنى إلا إنها متحدة في المعنى وفي تأكيد أن الإنسان مستخلف فيما يملك وهذا يؤكد ما سبق وأن قررناه من أنه ليس هناك حق مطلق في الفقه الإسلامي بل ما من حق إلا وهو مقيد بأعباء وتكاليف وقيود ترد عليه لعل في مقدمتها أنه يجب أن يعمل ضمن الحدود المرسومة له شرعا، ومن هنا فإن عبارات الفقهاء ومنطقهم قد سار على وتيرة واحدة ومتصاعدة في أنه متى اصطدم الحق الفردي مع الخير العام أو الصالح العام فإنه يضحى بالمصلحة الفردية في مقابل الصالح العام، فجاءت القواعد الفقهية العامة بمثل قولهم: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام والتي من فروعها قطع يد السارق لتأمين الناس على أموالهم، ويهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام، ويحجر على المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس ويباع مال المدين جبرا عنه إذا امتنع عن بيعه وأداء دينه، وتسعير أثمان الحاجيات إذا غلى أربابها في أثمانها، ويباع الطعام جبرا على مالكه إذا احتكر واحتاج الناس إليه وامتنع من بيعه، ويمنع اتخاذ حانوت حداد بين تجار الأقمشة بل إن الواجب الكفائي و إلزام الأمة مجتمعة بالقيام به على سبيل الإنابة. إنما المنظور فيه هو خدمة الأمة والمجموع والمجتمع، وهكذا فإن الناظر في كتب الفقه يجد أن بينها قاسما مشتركا يجمعها وهو الحفاظ على الحرية الاقتصادية، والعمل على رعايتها، وتهيئة الظروف الملائمة لتعميقها، ومنع التجاوز في استعمالها، ومتابعة العناصر الاحتكارية في السوق ..