فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 74

ثالثًا: الاساس النظري للاستهلاك والادخار والاكتناز في الاقتصاد الاسلامي

إن أهم ما يميز الاقتصاد الاسلامي انه وضع معيارًا على غاية من الدقة فيما يخص واحدا من أهم وأبرز الأنشطة الاقتصادية، وهو الاستهلاك، فإذا كان الاقتصاد التقليدي منذ آدم سميث وحتى وقت قريب ظل ينظر إلى أن التقتير الشديد ينمي الرأسمال، وأن الشخص المقتصد محسن عام، وأن تزايد الثروة متعلق بزيادة الإنتاج، وان الادخار يغني، والإنفاق يفقر الجماعة والفرد في نفس الوقت، وان الحب الفعلي للنقود هو على الصعيد الاقتصادي مصدر كل خير، فهو لا يغني المدخر فحسب، بل أيضا يرفع الأجور، ويؤمن العمل للعاطلين، ويسطر حسناته في كل مكان، وظل هذا الزعم يتجدد بحيث أصبح التشكيك فيه تدنيسا للحرمات، وانتهاكا للمقدسات، وقد قبل الفكر الاقتصادي هذا الزعم مضطرًا بعد معارضة شديدة شنها مالتوس وغيره مدفوعين إلى ذلك بعدم قدرتهم على دحض نظرية صندوق الأجور، وان كانت هذه النظرية قد فقدت بريقها وحظوتها اليوم، فإن الاقتصاد الحديث يذهب إلى نقض هذه المبادئ، ويرى عدم صوابها من الناحية المطلقة، بل وجد أن اتجاه المجتمعات المعاصرة اتجاها دائمًا نحو البطالة يعزى إلى نقص الاستهلاك أي: إلى عادات اجتماعية، والى توزيع للثروة يتجليان في ضعف الميل إلى الاستهلاك بل يجد جانب من الاقتصاد الحديث تفسيره للأزمات الدورية في النقص المتزايد في الاستهلاك (1) .

وبيان ذلك أن هدف الإنتاج هو تقديم البضائع، والخدمات للمستهلكين، وأن العملية تنهج سيرًا متصلا منذ البدء بتحويل المادة الأولية حتى استهلاكها، وبما أن منفعة الرأسمال الوحيدة هي إنتاج هذه البضائع والخدمات فإن كمية الرأسمال المستخدم الإجمالي تتحول بالضرورة بتحول الكمية الإجمالية للبضائع، والخدمات المستهلكة في كل وقت، ولكن الادخار يزيل كتلة الرأسمال الموجود في إنقاصه كمية البضائع والخدمات المستهلكة مما يؤدي لا محالة إلى تراكم أعظم من الكمية اللازم استخدامها، ويتجلى الفرق وبوضوح في الفيض العام للإنتاج، أو بتعبير أكثر دقة إلى ادخار كميات أعظم من قيمة الرأسمال المطلوب.

والواقع فإن النظر فيما قدمناه على كلا الاتجاهين ينطوي على قسط كبير من الحقيقة، ولكن من الواضح أنها صحيحة فقط ضمن بعض الحدود، ذلك لأن الادخار إذا بلغ غاية الإفراط يزيل الباعث على الإنتاج بالضرورة، كما أنه يعد من الحماقة بمكان أن نولي أهمية شديدة وكبيرة لنمو الاستهلاك وذلك في عصر لا يزال المجتمع ينتظر فيه الكثير من المنافع الاجتماعية من زيادة التوظيف والاستثمار بهدف عمارة الأرض وبنائها، والقيام بواجب الاستخلاف، والتناغم مع قوانينه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عرف الفكر الاقتصادي نظريات عديدة في تفسير الدورة الاقتصادية منها:

1.نظرية التجديد: وترجع الدورة إلى تتابع التجديدات الغنية العامة في الاقتصاد مثل السكك الحديد والكهرباء والسيارات وهذا ما ذهب إليه جوزيف شوميتر، والفن هتنسين.

2.النظرية النقدية: وترجع الدورة إلى التوسع والتضييق في خلق النقود الكتابية ومنح الائتمان وهذا ما ذهب إليه هاوترى، وملتون فريدمان.

3.نظرية نقص الاستهلاك: وتذهب إلى أن جزء كبيرا من الدخل إنما يذهب إلى الطبقات الفتية في المجتمع التي تتميز بكبر ميلها الحدي إلى الادخار بالمقارنة بالطبقات الفقيرة التي يقل عندها هذا الميل، وهذا ما ذهب إليه مالتس وسيموندي، وهوبسون وسويزي.

4.نظرية زيادة الاستثمار: وترى سبب الكساد في زيادة الاستثمار، وليس في نقصه وهذا ما ذهب إليه، فون ميزس، وفون هايك. وهناك نظريات أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت