فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 74

إن النقطتين المتطرفتين وهما اعتبار الادخار فضيلة، والأخرى التي تعتبر الاستهلاك ضرورة، وأن الادخار يزيل الباعث على الإنتاج هما واضحتان غاية في الوضوح، وهناك بالضرورة نقطة متوسطة حتى لو كانت وسائل الاقتصاد السياسي لا تسمح بتعيينها تلك النقطة الوسط هي ما جاء الاقتصاد الإسلامي بها، وهي ما عبر عنها القرآن الكريم بالوسطية في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَا) (1) وقد تقررت في جانبها الاقتصادي في العديد من النصوص مثل قوله تعالىَ: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) (2) وقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) (3) وقوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) (4) وهكذا وجد الاقتصاد الإسلامي أن سياسة الاستهلاك، وسياسة الاستثمار لا تزيحان أبدًا بعضهما بعضا، لأنه ليس هناك ما يمنع من زيادة الاستثمار بل هذا مطلوب على سبيل الوجوب بمقتضى الحكم الشرعي، وقوانين الاستخلاف، وفي آن الوقت يقنن الاستهلاك، ويعمل على ترشيده، بحيث يبقى في مستوى من مستويات الوسطية (5) المعبر عنه في الفقه الإسلامي بمستوى التوسط، والقناعة كما عبر عنه الظاهرية، لأنهم يفترضون الوسطية في الإنفاق الحلال والمباح كما أنهم يفترضون هذا المستوى في الإنفاق الذي هو قربة يتقرب بها إلى الله باعتباره طاعة، أو بمستوى أعلى من الوسط فيما نعتقد عند جمهور الفقهاء، نظرًا، لأن الإنفاق في المباحات جائز عندهم دون تقيد بمستوى الوسطية، ودون النظر إلى تناسب الإنفاق مع مستوى دخل الفرد وكونه مما يليق بحاله أم لا عند بعضهم، وكذلك لا يتقيد الإنفاق في القرب والطاعات بمستوى التوسط والقناعة، ومما لا شك فيه فأن دائرة المباحات، ودائرة الطاعات دائرة واسعة يمكن من خلالها ملاحظة نسبة نمو أعلى من الوسط بكثير نحو الميل إلى الاستهلاك.

على أننا نعتقد أنه من الناحية النظرية البحتة، أن الاقتصاد الإسلامي، والغايات التي يسعى إليها، وهي عمارة الأرض، والقيام بواجب الاستخلاف، سيؤدي بالضرورة إلى نمو مطرد في الاستهلاك، لكنه استهلاك من نمط أخر، إنه استهلاك لبناء استثمار جديد للموارد، واستغلال للطبيعة، بمعنى أنه ليس استهلاكا شخصيا مباشرا بل استهلاك داخل في استثمار جديد، ومن هنا نعتقد أن الاقتصاد الإسلامي قد تجاوز فيضان الإنتاج بواسطة رفع الاستهلاك في نفس الوقت ليس فقط إلى المستوى

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة: 143.

(2) سورة الفرقان: 67، والمراد بالقتر والتقتير، والإقتار: التضييق الذي هو نقيض الإسراف ومجاوزة الحد في النفقة، والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من القوامة الاستواء، وقرئ بالكسر وهو ما يقام به الشيء بمعنى ما تقام به الشيء بمعنى ما تقام به الحاجة لا يفضل عنها، ولا ينقص.

(3) سورة الأعراف:31، والمراد بهذه الآية أن الله قد أحل الأكل والشرب في كافة الأحوال والأوقات إلا ما خصه الدليل ما لم يكن سرفا، أو نحيلة. أما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوع وأسكن الظمأ فمندوب إليه عقلا وشرعا، وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة فقيل حرام وقيل مكروه وصحح ابن العربي الأخير.

(4) سورة الإسراء: 29.

(5) يقول الشنقيطي: في تعقيبه على قوله تعالى: (مما رزقناهم ينفقون) عبر في هذه الآية بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لأكله، ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه يبين في مواضع أخرى إن القدر الذي ينبغي إنفاقه هو الزائد على الحاجة، وسد الخلة التي لا بد منها وذلك لقوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور، وقال بعض العلماء: العفو نقيض الجهد وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع فقد نهى الله عن البخل بقوله (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) نهاه عن البخل، ويقول: (ولا تبسطها كل البسط) و نهاه عن الإسراف فتعين الوسط بين الأمرين كما بينه بقوله: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالمنع في محل الإعطاء مذموم والإعطاء في محل المنع مذموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت