الذي يقابل الاستثمار المتزايد، بل أيضا إلى مستوى أعلى منه، وذلك من خلال نمط استهلاكي آخر تفرضه ضرورة الاستثمارات الجديدة وما يتطلبه من حاجة إلى سلع وخدمات متجددة.
وتأسيسًا على ما تقدم فإننا لا نرى سببًا واضحًا يدعو الدولة إلى تبني سياسة تشتمل على القسم الأعظم من الحياة الاقتصادية للجماعة، فلا مصلحة للدولة في أن تتكفل بسياسة واسعة على مستوى الاستهلاك، ذلك لأن الدولة متى ما تمكنت من تحديد الحجم الإجمالي للموارد المخصصة لزيادة هذه الوسائل. والمعدل الأصلي للمكافحة الممنوحة فإنها تكون قد قامت بكل ما هو ضروري، وهكذا فإن الاقتصاد الإسلامي لا يجد في الادخار أنه فضيلة مطلقة على المستوى الاقتصادي وهذا يصدق على الادخار بمعناه البسيط وهو الادخار الذي يكون على شكل سائل نقدي، بل هذا الشكل من الادخار غير مرغوب فيه، ويصطدم مع المنهج الإسلامي أو هو ليس من باب الفضل على أقل تقدير كما يقتضيه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ javascript:ShowAyah('arb','74','38' ) ) (1) بل نعتقد أن الادخار في هذا المعنى يفقد دافعه الموجد له ذلك لأن الاقتصاد الإسلامي يغاير الاقتصاد الحر من حيث تحريمه للفوائد الربوية، ومن ثم يكون الاكتناز بهذا المعنى إهدارا لقيمة الثروة بمرور الوقت ونقصانًا لقدرتها الشرائية من جهة، ومن جهة أخرى فأن رأس المال المكتنز سترد عليه فرضية الزكاة التي قد تأتي على أصله ما يجعل الشخص الذي يتخذ قرارًا بالادخار يتخذ في نفس الوقت قرارا بالاستثمار، وهكذا فإن عملية اقتطاع جزء من الدخل وحجبه عن التداول سواء لوضعه في المصارف أو اكتنازه في أقبية القصور وذلك بانتظار المقترضين في الجانب الآخر أمر مذموم ورد النص بالنهي عنه وهو في هذا لا يستحق حرمانًا من المكافأة باعتباره عنصرًا من عناصر الإنتاج بل تقع عليه عقوبة في الاقتصاد الإسلامي وهي عقوبة ورود الزكاة عليه التي قد تأتي على أصل رأس المال، ومرد هذا النظر هو أن المكتنز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة: 34 - 39، ويلاحظ أن ما أثبته في الأصل هو الحد والأدنى المتفق عليه عند جميع المفكرين الإسلاميين. وقد اختلفوا فيما وراء ذلك اختلافا واسعا، ومنذ فترة مبكرة ترجع إلى عصر الصحابة، إذ عرف الفكر الإسلامي اتجاهين في تحديد ماهية الاكتناز الحرام:
الاتجاه الأول:
ويذهب إلى حمل النصوص، والآية منها، على إطلاقها، فلا يرى ادخار شيء أصلا، ويعتقد أن كل مال مجموع يفضل عن القوت، وسداد العيش فهو كنز سواء أديت زكاته، أو لم تؤد، وأن أية الوعيد إنما نزلت في ذلك، هذا ما ذهب إليه الأقلون من علماء الصحابة وعلى رأسهم أبو ذر كما وردت عنه أثار كثيرة تدل على ذلك. منها، ما أخرجه البخاري في صحيحة في كتاب الزكاة باب ما أدي زكاته فليس بكنز 7/ 15 2 ونصه: عن زيد بن وهب قال: مررت بالربدة قال فأذا أنا بأبي ذر - فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ .. قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك وكتب إلى عثمان يشكوني الخ ...
ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما في رواية الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملا من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين برضف يحمى عليهم في نار جهنم ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نفض كتفه ويوضع على نفض كتفه حتى يخرج من ثديه تنزل، ثم ولى فجلس إلى سارية فتبعته وجلست إليه، وأنا لا ادري من هو؟ فقلت له: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت. قال: أنهم لا يعقلون شيئا قال لي خليلي. قلت: ومن خليلك؟ .. قال النبي (صلى الله عليه وسلم) : يا أبا ذر تبصر أحدا؟ .. قال: فنظرت إلى الشمس ما بقى من النهار، وأنا أرى أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرسلني في حاجة له قلت: نعم، قال: ما أحب أن لي مثل احد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاث دنانير. ان هؤلاء لا يعقلون أنما يجمعون الدنيا، ولا والله لا يسألهم دينا ولا استفتيهم عن دين حتى ألقى الله. صحيح البخاري، كتاب الزكاة باب ما أدي زكاته فليس بكنز وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة: ويؤيد ما تقدم ما روي عن الامام علي قال: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وان أديت زكاته. =