فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 74

بسحبه للمال وحجبه عن التداول يكون قد تعسف في استعمال حقه وقد مارس نشاطا اقتصاديا فيه اعتداء على المجتمع وظلم له وذلك لما يشكله هذا النشاط من خطورة على الدورة الاقتصادية لأنه عطل النقود عن أداء دورها كوسيط في التبادل والتداول يقول الغزالي (( من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم ولا أكمل الغرض المقصود به، وما خلقت الدراهم والدنانير لزيد خاصة، ولا لعمرو خاصة إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما فإنهما حجران وإنما خلقا لتتداولهما الأيدي ) ).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الاتجاه الثاني:

ويذهب إلى أن الكنز المذموم هو ما لم تؤد زكاته. أما ما أديت زكاته فليس بكنز مهما بلغ، وهذا ما ذهب إليه الأكثرون من علماء الصحابة، وما درج عليه التنظير الفقهي بعدهم ويشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، ومسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله، واللفظ للبخاري أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بشدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، صحيح البخاري كتابه التفسير باب الذين يكنزون الذهب والفضة: 8/ 243، وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب أثم مانع الزكاة / 7/ 72، وموطأ مالك باب ما جاء في الكنز 2/ 126. ويؤيده ما روي أن أعرابيا سئل عبد الله بن عمر عن قوله تعالى: (واللذين يكنزون الذهب والفضة) الآية. قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، أنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال. صحيح البخاري باب ما جاء في الكنز/ 2/ 125. وكذلك يؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: (( ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة، ولا فيما دون خمسة ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة ) )صحيح مسلم كتاب الزكاة:7/ 50. ووجه الاستدلال به إن الكنز المنفي هو المتوعد عليه الموجب لصاحبه النار، لا مطلق الكنز الذي هو اعظم من ذلك، وإذا تقرر هذا فأن مفهوم الحديث إن ما زاد على خسة أوراق ففيه الصدقة، ومقتضاه إن كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه، فلا يسمى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزا ذلك، لأن الله تعالى قد أوجب على لسان رسوله ربع العشر في كل خمسة أوراق، وكذلك أوجب في كل عشرين مثقالا من الذهب ربع العشر، ولو كان فرضا إخراج جميع المال، وحرام اتخاذه لكانت زكاته الخروج من جميعه إلى أهله لا الخروج بربع العشر، تماما كما هو الشأن في المال المغصوب الذي هو حرام على الغاضب إمساكه، وفرض عليه إخراجه من يده إلى يد صاحبه، فالتطهير إنما يكون برده على صاحبه فلو كان ما زاد على أربعة آلاف درهم عند البعض، أو ما فضل عن قدر حاجته عند البعض الآخر هو المراد بالكنز المحرم الذي ورد الوعيد به لم يكن اللازم لصاحبه هو ربع العشر، بل كان اللازم له هو الخروج من جميعه إلى أهله، وصرفه فيما يجب عليه صرفه تماما كما هو الشأن في المال المغصوب.

يضاف إلى ما تقدم أنه كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام جمع كبير من الأغنياء، وكان يعدهم النبي من أكابر المؤمنين، وكذلك فقد ندب الشرع إلى إخراج الثلث، أو الأقل في المرض ولو كان جمع المال محرمًا لكان قد أمر المريض أن يتصدق بكل ماله. هذا وقد حاول غير واحد من الشرعيين التوفيق بين كلا الاتجاهين منهم صاحب الفتح الذي يذهب إلى أن الجمع بين كلام ابن عمر، وحديث أبي ذر، أن يحمل حديث أبي ذر على مال تحت يد الشخص لغيره فلا يجب عليه أن يحبسه عنه، أو يكون له لكنه يرجى فضله، وتطلب عائداته كالإمام الأعظم فلا يجب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئا، ويحمل حديث ابن عمر على مال يملكه وقد أدى زكاته فهو: يجب ان يكون عنده ليصل به قرايته ويستغني به عن مسألة الناس. وقد حاول القرطبي في تفسيره: أن يجمع بين الاتجاهين بقوله (( ويحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر هذا أن الآية قد نزلت في وقت شدة الحاجة، وضعف المهاجرين، وقصر يد الرسول عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، منهى عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت ) )وبمثل هذا أو قريب منه حاول غير واحد من المفسرين وشراح الحديث الجمع بين كلا الاتجاهين منهم النيسابوري في تفسيره ومنهم الرازي في تفسيره: والزمخشري في تفسيره. وثمة اختلاف أخر في المراد بمدلول الكنز وما يصدق عليه، فإذا كانت اللغة تفيد ان الكنز هو المال المجموع سواء كان فوق الأرض أو تحتها، لان مادة كنز تفيد مطلق الجمع عند الفقهاء من علماء اللغة. أساس البلاغة للزمخشري: (كنز) ، والقاموس المحيط للفيروز ابادي (كنز) ، والصحاح للجوهري (كنز) فأن الفقهاء قد اختلفوا في مدلوله الشرعي =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت