ثالثًا: إن قصر الاستخلاف الاجتماعي على تلك الموارد التي تشكل موضوعه وحصره بما جاءت النصوص بآحادها فقط لا ينسجم مع التشريع ولا يحقق الغايات التي يسعى إليها في إقامة التوازن بين مختلف المصالح المتعارضة وبناء مجتمع تضامني، كما لا ينسجم مع مبدأ تقديم المصلحة العامة، ومما يدعم هذا الاتجاه ويقويه أن الفقه الإسلامي أجاز نزع الملكية الخاصة وذلك في حالة احتياج المسجد إليها، واذا اقتضت الضرورة توسعة الطرق العامة نزع ملكية أرض للأفراد مجاورة للطريق العام وفي حالة امتناع المالك تنزع جبرًا عليه، واذا جاز نزع الملكية لغرض توسعة الطريق العام أو توسعة المسجد فجواز نزع هذه الملكية أو تقييدها في المصالح الأكثر أهمية والتي يكون أثرها على الأمة أكبر من الناحية الاقتصادية أولى بالاعتبار وأحق وقواعد الشريعة الإسلامية لا تأبى هذا الاتجاه ولا تتعارض معه بل على العكس فحيثما وجدت المصالح العامة فثم حكم الله وشرعه يقول العز بن عبد السلام: (المصالح العامة كالضرورة الخاصة ولو دعت ضرورة واحدا إلى غصب أموال الناس لجاز له ذلك بل يجب عليه إذا خاف الهلاك لجوع، أو حر أو برد واذا وجب هذا لإحياء نفس واحدة فما الظن بإحياء النفوس بل إقامة هؤلاء ارجح من دفع الضرورة عن واحد) وهكذا ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أنه إذا دعت الحاجة أو اقتضت الضرورة تأميم مورد من الموارد واضافته إلى الاستخلاف الاجتماعي فإنه يجب على الدولة القيام به باعتبارها ممثلة للأمة وحامية للصالح العام ومنفذة للقانون الشرعي.
بادئ ذي بدء يجدر بنا أن نشير إلى أن مفهوم الحرية الاقتصادية في الفكر الإسلامي كان مفهومأ عميقأ قد صنع رأيأ عامأ على كل مستويات الدراسات الشرعية سواء على مستوى التفسير، أو شراح الحديث، أو منظري المدارس الفقهية لدرجة جعلت بعض الكتاب المسلمين يصلون إلى حد الإسراف والمبالغة في الدفاع عن الحرية الاقتصادية حتى بدا أن هذه الحرية باتت تهدد النظام الاقتصادي الإسلامي وتعصف به وذلك من خلال مواقف بعضهم القائلة بمنع المحتسب من التدخل في تحديد الأسعار حتى في الحالات الاحتكارية وأن للمالك الحق في التصرف في ملكه تصرفا مطلقا، وأنه لا معنى للملك التام سوى هذا.
والحقيقة فإنه قد عمد غير واحد من كتاب الفقه الإسلامي في تحليل مبدأ الحرية في الإسلام إلى بيان حرص الفقهاء على حرية الشخص الحقوقية للفرد الإنساني باعتبار أن الفرد وحدة مستقلة مرتبطة بالله ارتباطأ مباشرا، وباعتباره مخلوقا وعبدا له دون غيره، ومن هذا فإن أقوال الفقهاء كانت دائمأ تدور على حماية حرية الفرد الإنساني في الجانب الحقوقي، وحماية ملكيته وتصرفه بنفسه وبما يملك، ومن ثم فإن الفرد في الإسلام هو المقصود بالرعاية والاهتمام وليس المجتمع، ولا الجماعة ء ولا الأمة، فليست أي جماعة، أو أمة بمسؤولة أمام الله تعالى بصفتها الجماعية بل إن كل فرد مسؤول أمام الله بصفته الفردية وعلى هذه المسؤولية الفردية وحدها يتوقف فلاح الإنسان وقيمته.
وبناء على هذا فإن المجتمع في نهاية المطاف هو الذي يخدم الفرد، وليس الفرد هو الذي يخدم الجماعة، فالمقصود الأصلي من الحياة الاجتماعية ليس المجتمع ورفاهيته وسعادته بل المقصود الأساسي هو رفاهية الأفراد وسعادتهم. فالمقياس الحقيقي لصلاحية نظام الجماعة واعتباره صالحًا أو غير صالح هو إلى أي حد يساعد أفراده وينمي مواهبهم، ويرتقي بكفاءتهم