استغلال لحاجة الجمهور بل يجب أن تشرف عليه الدولة استثمارًا وتوزيعًا وهذا الذي ذهبنا إليه يمثل اتجاهًا قويًا في الاقتصاد الإسلامي الحديث )) والذي يدل على صحته ما يلي:
أولًا: ما روي أن اعرابيًا أتى عمر (رضي الله عنه) فقال: يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عنها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام علام تحميها؟ فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك. فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت شبرًا من الأرض في شبر). ومثله ما روي عن عمر وهو يوصي هنبًا وكان قد استعمله على الحمى وقد جاء فيها: (وايم الله إنهم ليرون ان قد ظلمتهم إنها لبلادهم ومياههم قاتلوا عليها في الجاهلية واسلموا عليها في الإسلام والذي نفسي بيده لولا المال الذي احمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا) ووجه الاستدلال بهذين النصين أن الدافع للحمى والموجب له إنما هو مصالح الناس وتحصيل حاجاتهم فهو معلل بالمصلحة العامة بدلالة قسم عمر أنه لولا مصلحة المسلمين لما حمى شبرًا في شبر إذ المراد بقوله في سبيل الله الصالح العام والتعليل في إعطاء هذا الحق للدولة بالمصلحة العامة هو صريح ما ذهب إليه أئمة المذاهب. يقول الشافعي:
إن حمى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه صلاح لعامة المسلمين إذ أن الخيل المعدة لسبيل الله وما فضل من سهمي: أهل الصدقة، وما فضل من النعم التي تؤخذ من أهل الجزية ترعى فيه. فأما الخيل فقوة لجميع المسلمين. أما نعم الجزية فقوة لأهل الفيء من المسلمين وملك سبيل الخير أنها لأهل الفيء المجاهدين واما الإبل التي تفضل عن سهمان أهل الصدقة فلا يبقى مسلم إلا عليه صلاح في دينه وفي نفسه ومن يلزمه أمره من قريب أو عامة من مستحقي المسلمين وبمثل هذا عبر غير واحد من الفقهاء واذا كان الحمى في الإسلام إنما يتم لاقتضاء مصلحة المسلمين ذلك، فإن ما تتوقف عليه مصلحتهم من الموارد يمكن أن يخضع لذات المبدأ فتؤممه الدولة لمصلحة المجتمع.
ثانيًا: امتناع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن تقسيم أرض السواد واتجاهه نحو تأميم هذا المورد العام وضمه للاستخلاف الاجتماعي وتعليله ذلك بالمصلحة العامة، فقد جاءت الروايات لتبين أن عمر أراد أن يقسم الارض بين المسلمين فقال له معاذ: والله إذن ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسدًا وهم لا يجدون شيئأ فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم فلم يزل عمر يكلم الناس في هذا الأمر حتى صار إلى هذا الرأي وقد كان في كل حجاجه مع المصحابة الذين عارضوه يؤكد أنه إذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها فكيف تتمكن الدولة من إدارة دفتها في سد نفقات الدفاع الخارجي وفي سد حاجات المعوزين والعاجزين عن العمل، وكيف يمكن للأجيال المقبلة مواجهة ما يعترضها من أزمات، أو على حد تعبير عمر نفسه (( لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي(صلى الله عليه وسلم) خيبر ))فلم يزل عمر بن الخطاب يصرح بأنه قد عارض عنده حسن النظر لآخر المسلمين قسمتها على الغانمين فيما يتعلق بالأرض خاصة، فوقفها على المسلمين وضرب عليها الخرج الذي يجمع مصلحتهم فتأول قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) وفي هذا دلالة واضحة على ان المصلحة العامة هي المصلحة الأولى بالاعتبار والأجدر بالرعاية وعندما تتعلق بمرفق من المرافق فيجب أن تجعله الدولة بيدها ولا يصح لها أن تتركه بيد الأفراد.