ويمكن القول بأن هذا القانون يتصف بالمرونة إذ هو يختلف ضيقا واتساعا مع طبيعة الظروف ونمو موارد المجتمع وتطورها وطبيعة الظروف المحيطة بالعمليات الاقتصادية. وفي كل هذا نحيل إلى كتابنا الدولة و وضيفتها الاقتصادية في الفقه السياسي الاسلامي.
يمتاز الاقتصاد الإسلامي بأنه مرسوم منهاجيًا بمعنى أن القوانين الاقتصادية فيه لا تسير بعفوية من حيث توزيع الموارد أو من حيث ممارسة الحقوق وبالتالي فإن حق الدولة ليس بأعلى من حق الفرد والعكس صحيح.
ولعل هذا القانون يتجلى بوضوح في أكثر من موقع في هذا الكتاب حين يناقش موضوع الحق من حيث مفهومه ونطاقه والمجال الذي يعمل فيه ومصدر الحق ومنشؤه وأنه منحة الحكم الشرعي يستوي في ذلك الفرد والأمة والدولة وأنه لا وجود لحق فردي مطلق. وكذلك حين يناقش مفهوم الدولة ووجود السلطة السياسية والطبيعة القانونية لعقد البيعة وأن ظهور سلطة سياسية إنما هو قائم ومؤسس على نظرية العقد السياسي وكذلك حين يناقش مقر السيادة وأن السيادة للشريعة الإسلامية في ظل مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي وأنها دولة قانونية أو حكومة قانونية نوموقراطية وان السلطة الحاكمة فيها مستمدة من الأمة فهو مستناب عنها في تنفيذ الحكم الشرعي.
ومن ثم فإن وظاثف الدولة والوظيفة الاقتصادية منها على وجه الخصوص مرسومة منهاجيا في الاقتصاد الإسلامي.
وكذلك حين يناقش وظيفة الدولة الزراعية من حيث إحياء الموات واشتراطه إذنية الدولة ومن حيث إقطاعية الدولة والحمى باعتباره يتمثل فيه دور الدولة في القطاع العام الزراعي وفي تنظيمه للموارد المائية من حيث عمارتها والإنفاق عليها.
وكذلك حين يناقش وظيفة الدولة في الصناعات الاستخراجية إذ يرسم وبصورة منهجية ملكية المعدن وطرق استثماره ويقيم لذلك معايير دقيقة
ويتجلى الرسم المنهاجي في تقييد المباح وذلك بمكافحة الوسيط الانتهازي وبرسم موضوع الإنتاج وترتيب الحاجات بطريقة معيارية ورسم مفهوم الكفاية ورسم وسائل سد الحاجة.
ان واحدة من اهم فصول هذه الازمة التي بينا اسبابها فيما تقدم هي قيام البنوك بتوريق الرهون العقارية وكل القروض المتعثرة حيث قامت البنوك بعرض بيع خداعي لهذه الرهون شبه الممتازة في صورة سندات الى مؤسسات مالية مثل (فريدي ماك) و (فاني ماي) ومن ثم قامت الاخيرة بوضعها في مجمعات من الرهون العقارية وبيعها الى صناديق استثمارية وكذلك الى عامة الجمهور معتبرة اياها استثمارات رفيعة الدرجة تتميز بحد ادنى من المخاطر وهذه هي الافة التي كانت سببًا في تفاقم الازمة الاخيرة اذ لم تكن الحركة النشطة للاقتصاد الامريكي في الفترة الاخيرة الا سلسلة من الديون المتضخمة التي لم يكن لها اي ناتج في الاقتصاد الفعلي حيث كانت عبارة عن اوراق من السندات والمشتقات والخيارات يتم تبادلها والمضاربة عليها في السوق