نحو التوازن الاقتصادي، وتحقيق الأهداف دون توجيه إرادي مخطط ومرسوم، وفي أن الوقت على غاية كبيرة من الدقة في الرقابة والإشراف، ذلك لأن هذه المصلحة من الصعوبة بمكان إثبات صدقها، أو البرهنة عليها، لأنها قد تأسست على مقدمات خاطئة وغير واقعية، لأنها تفترض عدم وجود التناقض بين مختلف الفعاليات الاقتصادية الفردية والجماعية أو بتعبير آخر تفترض عدم اختلاف الخاص والعام، وهو افتراض خاطئ بحد ذاته ...
وهكذا تكون الرقابة بمفهومها العام هي عبارة عن عملية متابعة دائمة ومستمرة تقوم بها الإدارة بنفسها، أو بتكليف غيرها للتأكد من أن ما يجري عليه العمل داخل الوحدة الإدارية، أو الاقتصادية يتم وفقا للشريعة الإسلامية وقواعدها، ومطابقا للخطط الموضوعة، والسياسات المرسومة، والبرامج المعدة وضمن الحدود المعمول بها لتحقيق أهداف معينة أرادتها الشريعة وقصدتها لتحقيق مفهوم خلافة الإنسان في الأرض ....
والرقابة بهذا المفهوم عملية دائمة تبدأ مع كل عمل وتستمر معه لا تتوقف ولا تنتهي، فهي ليست عملية متخصصة تقوم بها أجهزة متفرقة لها وتنفرد بها فحسب بل قد تكون داخلية في نطاق السلطة التنفيذية نفسها المخولة بفرض التوجيه والإرشاد، وهي بهذا المفهوم عملية تقوم بها جميع المستويات الإدارية، ولا تقتصر على الإدارة العليا تطبيقًا لقوله (صلى الله عليه وسلم) (كلكم رع وكلكم مسؤول عن رعيته) وان كان جهاز الحسبة واحدا من المستويات الإدارية القوية الذي يلعب دورا مهما وبارزا على المستوى الاقتصادي باعتباره جهاز الرقابة المتخصص بمتابعة النشاط الاقتصادي، او إذا توخينا الدقة فإن وظيفته هي رقابة السوق.
وقد تكون الرقابة خارج نطاق السلطة التنفيذية فلا تقع في مستوى من مستويات الإدارة وهي بهذا المفهوم تكون نمطا من أغاط الرقابة الشعبية، أو شكلًا من أشكالها وذلك عندما يقوم الفرد متطوعا بالحسبة باعتباره واحدا من أفراد الهيئة الاجتماعية المكلفة شرعا بتغيير المنكر، والملزمة شرعًا بالتعاون في أداء الواجب إلا أن هذه الرقابة الشعبية لا تمارس في رقابة الجهاز الإداري للدولة من القمة إلى القاعدة فحسب وانما تمارس الرقابة على النشاط الفردي الخاص في المعاملات الاقتصادية، ومقدار انسجامه في تحقيق التوازن الاجتماعي وتناغمه مع الأهداف المرسومة.
ومن هنا تكون الغايات التي تسعى إليها هذه الوظيفة هي تحسين مستوى الكفاءة في إنجاز الأهداف الاقتصادية للدولة، وفي آن الوقت تجد مبررها في أن التوازن المنضبط والفعال على المستوى الاجتماعي والسياسي من غير الممكن تحقيقه إلا إذا كان مستندًا إلى قاعدة اقتصادية قوية، لأن تحقيق الأهداف لا يتم إلا في مستوى عال من النشاط الاقتصادي.
ولما كانت قوانين النشاط الاقتصادي كثيرة، ومتداخلة في آن الوقت، إذ أنها تقع في مستوى من مستويات القوانين الاجتماعية، أو السياسية، أو الأخلاقية، أو القانونية، أو النفسية، أو الفكرية، لأن منها ما يتعلق بحرية التعبير أو الرأي، أو الحرية عموما على المستوى السياسي، ومنها ما يتعلق برئاسة الأسرة على المستوى الاجتماعي وبوجود الإنسان والغايات التي يسعى إليها على المستوى الفكري، وبالحلال والحرام في المعاملات على المستوى القانوني وبالأمانة والصدق والإخلاص على المستوى الأخلاقي وبالرغبة بالاستثمار والادخار على المستوى النفسي فإنه من غير الممكن أن نبحث هذه القوانين بأسرها لانها مجال بحوث ودراسات اخرى.