فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 74

وهكذا ونتيجة للاوهام العديدة دخل الاقتصاد الرأسمالي في سوق اقرب للقمار منه الى الاقتصاد وذلك من خلال استعمال الادوات الاستثمارية المسمومة او الملوثة. ان قراءة متأنية لارقام الاقتراض والاقراض في امريكا فقط ترشدان الى ان هناك فسادًا ماليًا ضخمًا وشكلًا من اشكال المقامرة الفعلية على حد تعبير (جوزف ستيغليتز) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.

ان غياب الرقابة على السوق والايمان بالحرية الكاملة والمطلقة للاسواق الرأسمالية ومنع تدخل الدولة ولا في اي مستوى من مستويات التدخل هما العاملان الاساسيان التي ترتكز اليها الرأسمالية صحيح ان الرأسمالية بعد الركود العظيم في الثلاثينيات ومن خلال نظرية (كينز) وفلسفته في الاقتصاد قد ادت الى تدخل محدود للدولة مما انعش الاقتصاد الرأسمالي الا ان هذا التدخل وكنتيجة للغرور والغطرسة قد غاب بعد التسعينيات خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وعادت الرأسمالية بعد هذا التاريخ الى ايدلوجية عدم تدخل الدولة في السياسات الاقتصادية وقد وجد تبريراته في الموروث الادبي الاقتصادي الرأسمالي خصوصًا لدى المحافظين الجدد.

ان ازمة اليوم لم تحدث بين ليلة وضحاها فمنذ اواخر سبعينات القرن الماضي، اثر سلسلة من التغييرات القانونية والتكنولوجية، رفعت القيود على النمو وعلى امكانية جني الارباح التي كانت مفروضة على المؤسسات المالية، فقد سمح لصناديق التقاعد بالاستثمار في أسواق الاوراق المالية، واصبح بامكان السماسرة عرض بيع أسهم في الصناديق الاستثمارية المشتركة، وسمح لانواع مختلفة من البنوك الاندماج ودخول مجالات تجارية جديدة، وادى استعمال الات الصرف الالية وبرمجيات الاتجار بالاسهم الى خلق شبكة مالية الكترونية تعمل على مدار الساعة. ومنذ سبعينات القرن الماضي وحتى عام 2005، ارتفعت نسبة الامريكيين الذين يملكون اسهمًا من 16 بالمائة الى اكثر من 50 بالمائة. وكما يشير (روبرت رايخ) ، وزير العمل السابق في ادارة كلنتون، في كتابه (Supercapitailsm الرأسمالية المفطرة) ، حصل تغيير جذري في نظرة الامريكيين الى المسائل الاقتصادية"وتحول المدخرون الى مستثمرين، واصبح المستثمرون ناشطين".

الوكلاء الاستثماريون الذين كانو يبحثون، في اعقاب حقبة (فولكر) التي تميزت بمعدلات تضخم متدنية، عن طريق جديدة لجني ارباح تفوق 10 بالمائة، كانوا المحرك وراء كل ذلك. وانتشرت الابتكارات المالية بمساعدة السياسيين المشجعين للسوق، لاسيما (رونالد ريغن) و (مارغريت تاتشر) . وقد تخللت ذلك فترات من الازدهار المفرط والانهيارات هل تتذكرون ازمة بنوك الادخار والاقراض في ثمانينات القرن الماضي؟ لكن سرعان ما تم نسيانها بفضل استمرار تنامي الازدهار الذي ادى الى انتشار الفلسفة القائلة ان"السوق تدير نفسها بنفسها". وخلال تسعينات القرن الماضي، استمر رفع القيود، وكانت احدى اهم النقاط التي تعكس هذا التغيير الغاء قانون (غلاس ستيغل) الذي يفرض الفصل بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية.

ان المضاربات في هذه المشتقات المالية تعد واحدة من اخطر افات السوق وقد كانت ولاتزال سببًا في كثير من الكوارث والازمات حتى وصفها رئيس فرنسا السابق (جاك شيراك) بانها وباء الايدز في الاقتصاد العالمي ولخطورتها اصدرت السيدة (لاروش) رئيسة معهد شلر العالمي بيانًا بعد كارثة تسونامي بعناون (ما هو اجدى من المساعدات نظام اقتصادي عالمي عادل جديد) وقد تضمن البيان توصية على غاية من الاهمية مفادها ان المضاربات في المشتقات المالية والعملات التي وصلت مؤخرًا وفق اخر احصائية لبنك التسوية العالمي الى 2000 ترليون دولار يجب مسحها كليًا وجعلها غير قانونية عن طريق اتفاقية بين الحكومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت