فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 74

ان ظهور المضاربات بهذا الشكل يذكرنا بالوسيط الانتهازي الذي عبر عنه (كينز) في نظريته العامة للاقتصاد بحامل الوثائق حيث تحول من حامل حقيبة اسهم الى حامل كومبيوتر وهكذا قام الاقتصاد الرأسمالي المعاصر على الادوات والمشتقات المالية الملوثة التي تسمى بالمضاربة ومن هنا تم خلق تعامل نشط على سهم او سند دون ان يكون هناك تبادل فعلي حقيقي للسلع او المنافع مصحوبًا بالكذب او الخداع وصورية العقود والتأمر ونحو ذلك مما هو من مساوء التعامل بالسوق الرأسمالية.

استغلت البنوك اقتصاد العرض والطلب المتأتي من ذلك (ويقول البعض انها استغلت تضارب المصالح) لتنمو اكثر، وتبرم صفقات دمج ضخمة متنامية الارباح وتعرض اسهمها في الاسواق بشكل مربح جدًا. إبطال ذلك القانون اتاح للبنوك التي تقدم خدمات مصرفية للافراد مثل"ستي غروب"وغيره دخول سوق المشتقات الائتمانية المربحة (التي تضمنت امكانية الاستثمار في اسهم مدعومة بقروض سكنية والقروض المدعومة بأصول، التي تشكل خليطًا من قروض مختلفة، وهي من المسببات الاساسية للازمة الحالية) . واصبح الوكلاء الاستثماريون انفسهم من مدخني السيجار، ويلبسون افخر الملابس وباتوا نماذج تجسد الثراء يتم تخليدها في الكثير من الكتب والافلام في تلك الحقبة. انتشار التداول بالسندات والى ذلك العقد زاد من ثرائهم (وثراء مديري الشركات الذين كانوا يعملون لمصلحتهم) مما صعب في الوقت نفسه تحديد القيمة الحقيقية للصفقات. معظم الناس يجمعون الان على ان النزعتين مجتمعتين شكلتا خليطًا مؤذيًا. يقول جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل:"من خلال السماح للبنوك التجارية بدخول هذا المضمار الاكثر خطورة، وتشجيع توزيع السندات المالية كبدل اتعاب، اصبح هناك تركيز قصير الامد على جني الارباح بسرعة، مما خلق ثقافة قائمة على المقامرة".

طبعًا كان الاقتصاد قد تغير عام 2001، مما صعب جني الارباح، لكن بفضل تدني معدلات الفائدة (بنك الاحتياطي الفدرالي خفض معدل الفائدة الى 1 بالمائة عام 2003 في حقبة غرينسبان) ، بقيت القروض سهلة المنال. تدني معدلات الفائدة ادى ايضا الى ازدهار سوق المشتقات المالية القائمة على القروض، أي الاوراق المالية التي تشكل مزيجًا من القروض والتي تسببت بالازمة الحالية، فيما كان يبحث المصرفيون عن وسائل لزيادة ارباحهم في حقبة الفوائد المتدنية. بين عام 2000 وفترة الذروة الصيف الماضي، ارتفعت قيمة سوق المشتقات المالية القائمة على القروض المتخلفة، وهو نوع المشتقات المالية الاساسي، من 100 مليار دولار الى 62 ترليون دولار. وفي حين عبر العقلاء أمثال وارن بافيت (الذي وصف هذه المشتقات بأنها"اسلحة دمار شامل مالية") والمؤسسات مثل (بانك فور انترناشونال سيتلمانتت) عن قلقهم، اصر اخرون مثل غرينسبان على انها تلعب دورًا مهما في الحد من المخاطر من خلال توزيع المخاطرة.

وهكذا قدمت البنوك الامريكية للمواطنين قروضًا بزيادة ربوية تتضاعف مع طول المدة مع غض الطرف عن الضمانات التي يقدمها المقترض او الحد الائتماني المسموح به للفرد لشراء منازل ونشطت شركات العقار في تسوييق المنازل لمحدودي الدخل مما نتج عنه ارتفاع اسعار العقار، ولم تكن البنوك وشركات العقار بأذكى من محدودي الدخل الذين استغلوا فرصة ارتفاع عقاراتهم بأكثر من قيمة شرائهم لها، ليحصلوا من البنوك على قروض ربوية كبيرة بضمان منازلهم التي لم يسدد ثمنها والتي ارتفع سعرها بشكل مبالغ فيه نتيجة للمضاربات، وقدمت المنازل رهنا لتلك القروض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت