ومن هنا وجد في الرهون العقارية محركًا رئيسًا في الاقتصاد الامريكي نظرًا لانه كان يتم اعادة تمويل المقترض كلما ارتفعت قيمة عقاره مما شجع على استمرار الانفاق الاستهلاكي وبالتالي استمرار النمو في الاقتصاد الامريكي وما لم يتم التنبه اليه من قبل الادارة الاقتصادية هو ان هذه الطفرة لم تكن نتاج اقتصاد حقيقي لانها كانت قائمة على سلسلة من الديون المتضخمة التي لم يكن لها اي ناتج في الاقتصاد الفعلي فهي عبارة عن اوراق من السندات والمشتقات يتم تبادلها والتضارب عليها في البورصات وعندما عجز المقترضون عن السداد استشعرت البنوك وشركات العقار بمقدار الكارثة الحقيقية مما جعلها تعمد الى وسائل تفاقم الازمة وذلك عندما قامت ببيع ديون المواطنين على شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان المنازل كما حولت الرهون العقارية الى سندات اصطلح على تسميتها بـ (عملية التوريق) وتم بيعها وعندما تفاقمت المشكلة لجأ الكثير من المستثمرين الى شركات التأمين التي وجدت في الازمة فرصة للربح حيث يمكنها في حالة امتناع محدودي الدخل عن السداد ان تتملك مساكنهم وبدءت شركات التأمين تأخذ اقساط التأمين على السندات من المستثمرين العالميين وكل ذلك كان يجري بخداع كبير لهؤلاء المستثمرين من خلال اخفاء الحقائق عن طبيعة موقف هذه السندات.
لقد عجز اصحاب المنازل من محدودي الدخل عن تسديد الاقساط والزيادة الربوية المصاحبة لها مما أضطر الشركات والبنوك من بيع المنازل موضوع القرض او النزاع وهكذا ادى هذا الاجراء الى هبوط اسعار العقارات مما جعلها غير قادرة على تغطية ديون الشركات العقارية ولا البنوك ولا شركات التأمين وعندما طالب المستثمرون الدوليون هذه الشركات والبنوك والمؤسسات المالية بحقوقهم تبين لهم افلاسها وهكذا سقطت شركات ومؤسسات مالية كبرى في فخ الافلاس مثل (فاني ماي) و (فريدي ماك) و (مصرف ليمان براذرز) والذي سجل بأفلاسه اكبر عملية افلاس في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية) وسيطرت الحكومة الامريكية على 80 % من شركة التأمين"اي اي جي"مقابل قرض بقيمة 85 مليار دولار لدعم سيولة الشركة، وبعدها انهار بنك الاقراض العقاري"واشنطن ميوتشوال"الذي تم بيعه الى بنك"جي بي مورغان"بعد ان سيطرت المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع وهي مؤسسة حكومية تقدم خدمة التأمين على ودائع عملاء البنوك والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة الامريكية، ولم تقف تداعيات الازمة عند حدود امريكا بل تخطت المحيط لتصيب بلهبها معظم دول العالم المرتبط باقتصاد امريكا.
ان مشكلة الرأسمالية لم تعد فقط في امتلاك البنوك للسيولة اللازمة بل ايضا في النظام الانكلو سكسوني برمته فالتفكير الاقتصادي الذي راج وعلى مدى اربعين عامًا الماضية هي ان الاسواق قادرة على ضبط ايقاعها وان الفكرة القائلة ان ما هو لمصلحة وول ستريت هو ايضا لمصلحة الشعب لم تعد قادرة على الصمود في مواجهة هذه التداعيات ومن هنا اصبح تأثير الايدلوجية الرأسمالية التقليدية والتي اسس لها ريغان و تاتشر في مهب الريح ودخلنا عصرًا جديدًا يدعوا الى اعتماد قوانين جديدة واصلاح النظام المالي وسمعنا اصواتًا ترتفع باقامة منتدى عالمي لاعادة النظر في الرأسمالية كما عبر عنها (ساركوزي) حين اعلن ان شرعية تدخل القوى العامة في عمل النظام المالي لم تعد موضع نقاش بل ان وزير المالية الالماني (بير شتاينبروك) ذهب الى ان الازمة ستؤدي الى نهاية امريكا كقوة مالية عظمى وقالت المستشارة الالمانية (انجلا ميركل) قبل بضع سنوات كان من الشائع القول ان الحكومات ستزداد ضعفًا مع انتشار العولمة لكن رأي كان مخالفًا وقالت ان الامريكيين والبريطانيين هم الذين رفضوا اقرار المزيد من القوانين المالية خلال قمة الدول الصناعية الكبرى الثمانية.