فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 74

النووي: (الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره ففيه أن كل من كان تحت نظره شئ، فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته) .

ومن هنا يتحدد نظر الاسلام إلى الفرد على انه كائن حر مسؤول مستقل لكن استقلاله هذا ليس مطلقا بل هو مقيد في ممارسته حقوقه ضمن الدائرة التي تحقق مصالح المجتمع ولا تصطدم مع حقوق الجماعة، وذلك اعمالا للقاعدة العامة التي قررها قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فهذه القاعدة تقوم عليها الأحكام التشريعية بجميع احكامها، وقد طبقها الفقهاء على الأحكام الدنيوية من عقود وتبرعات وذلك في الاحوال التي ينصرف فيها الباعث الفردي غير المشروع الى إنشاء تصرف من التصرفات كالحيل والذرائع ونحوهما فقد اتفقوا على انه لا يجوز التعاون على الاثم والعدوان بإطلاقه ومن ثم أبطلوا التصرفات التي انحرف بها أصحابها عن المقاصد المعتبرة التي يرمي اليها الشارع الحكيم وذلك تحت غطاء من المشروعية الظاهرة، لانهم رأوا في هذه التصرفات تعاونا على الاثم والعدوان فهذا القيد في الحقيقة يرد على كافة الحقوق واعتماد هذا الاصل لم يختلف فيه الفقهاء وانما اختلفوا فيما وراء ذلك في بحثهم عن المناط الذي يتحقق فيه التعاون على البر والتقوى أو ذلك الذي يتحقق فيه خروج على مقاصد الشريعة او التحايل والتذرع.

وفي الحقيقة فان هذه القاعدة بوجهيها الايجابي والسلبي الذي يفيد الامتناع عن العدوان توجب على الفرد باعتباره واحدًا من افراد الهيئة الاجتماعية ان يكون مرتبطًا بالجماعة ارتباط بر وتعاون وذلك تحقيقًا للخير المشترك والصالح العام وفي أن الوقت تلزمه سلبيا بضرورة تجنب الإثم والفساد والاضرار.

وهكذا تحدد الشريعة الاسلامية وذلك من خلال العديد من النصوص مسؤولية الفرد قبل الهيئة الاجتماعية، وذلك من خلال إلزامه برعاية مصالحها تماما كما هو مكلف بتحصيل مصالحه الشخصية والذاتية فمن حق الجماعة على الفرد أن لا يتعدى على مصالحها معتمدا على الحقوق الممنوحة له وتحت ستارها، بل إن الشريعة تعطي للهيئة الاجتماعية سلطة رقابية على الفرد وهو يمارس حقوقه وذلك للحد من حق الفرد حين يتجاوز في ممارسة حقه يدل على ذلك قوله (عليه الصلاة والسلام) : (( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا من نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا ) ).

ووجه الدلالة في هذا النص أن أولئك الذين أرادوا أن يخرقوا السفينة إنما أرادوا التصرف في خالص ملكهم بدلالة قولهم: (( لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ) )ولكن لما كان تصرفهم بالنتيجة يؤول إلى إلحاق الضرر بالجماعة فإنه أوجب على الجماعة ضرورة منعهم من هذا التصرف وقاية للجماعة وحماية لها ومن غير نظر إلى الباعث على التصرف حتى ولو كان مشروعًا.

وهكذا في كل الأحوال التي تصطدم فيها مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة فانه يضحي بالأولى لحساب الثانية كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية وذلك، لأن ما يلحق الفرد من الضرر بالإمكان جبره بوسائل عدة مثل التعويض على أن حماية المصلحة العامة هو في محصلته النهائية حماية للمصلحة الفردية لأنها واردة ضمنا في مصلحة الجماعة يدل على ذلك قوله (عليه الصلاة والسلام) (( نجوا ونجوا جميعا ) )والذي يؤكد هذا تحريم الشارع للاحتكار وذلك في الأوقات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت