فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 74

يحتاجها الناس وتدفعهم إليها الضرورة، وتحريم تلقي السلع ونهيه بيع الحاضر للبادي، واتفاق الفقهاء على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة، وجواز نزع الملكية الخاصة في ظروف معينة إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك مما رضي أهله ومالا يرضى، كما أوجب الشارع التسعيرة الجبرية وذلك في السلع التي يحتاجها الناس إذا ارتفع اسعارها ارتفاعأ فاحشا وهذه الإجراءات كلها داخلة في صميم تحديد حق الملكية حماية للمصلحة العامة.

واذا كانت الشريعة الإسلامية تذهب إل ترجيح حق الجماعة على حق الفرد في حالة التعارض فإن السنة قد جاءت بما يؤكد نفي السلطة المطلقة للحق (1) وذلك في أوقات الحاجة والضرورة، فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: (( بينما نحن مع النبي(صلى الله عليه وسلم) اذ جاء رجل على راحلة له قال: فجعل بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له، قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل ))ومن هنا فان الحديث يفيد أن في المال حقا آخرًا سوى الزكاة ومشروعية الزكاة والإقراض، والعارية، والمنيحة، وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى أو جميعه جار على أصل مكارم الأخلاق وهو لا يقتضي استبدادًا وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضررًا إلا بمقدار ما يلحق الجميع، أو أقل، ولا يكون موقعًا على نفسه ضررًا ناجزًا وإنما هو متوقع أو قليل يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئًا واحدًا. وقد تضافرت النصوص التي تقرر المعنى الاجتماعي للحق وفي نفس الوقت تقيد حق المالك بعدم الاستبداد في حقه وقت الحاجة وهي تعبر عن دلك المعنى الاجتماعي تارة بالأخوة باعتبارها ثمرة من ثمار الإيمان، وأخرى بالبنيان المرصوص، وثالثة بالجسد الواحد وذلك مثل قوله (عليه الصلاة والسلام) : (( المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ) )وقوله (عليه الصلاة والسلام) : (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) )وقوله (عليه الصلاة والسلام) : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) )فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه، وهي فوق إفادتها أن الحب ثمرة الإيمان وبالتالي نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإنها توجب على المؤمن أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر ولم يذكره النبي (صلى الله عليه وسلم) ، لأن حب الشيء مستلزم يغض نقيضه فترك التنصيص عليه اكتفاء، ولعل في حديث الأشعريين ما يجعل من الحق مفهوما ينفي عنه صفة الاستبداد والتسلط المطلق يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) : (( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم ) )يقول الشاطبي في تصوير هذه التسوية والاشتراك: (( إن مسقط الحق هنا قد رأى غيره مثل نفسه وكأنه أخوه، أو ابنه، أو قريبه، أو يتيمه، أو غير ذلك عن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتمديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره عن هو مثله بل ممن أمر بالقيام عليه كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون ) ).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عرف بعض الفقهاء المحدثين التعسف بأنه: استعمال الانسان حقه على وجه غير مشروع والمراد بالوجه غير المشروع انه التصرف غير المعتاد شرعا وقد تعرض هدا التعريف للنقد مما حدا ببعضهم إلى تعريفه بأنه مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعا بحسب الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت