وتأسيسًا على ما تقدم يتضح لنا انه ليس هناك حق فردي مطلق وبالتالي فان التفريق بين حق الله وحق العبد إنما هي تفرقة ابتدعتها الفقه الإسلامي ويهدف منها بيان أن من حق العبد إسقاط حقه، والإبراء منه، والعفو عنه، وإلا فالحقيقة لا يوجد حق فردي على الخلوص بغير المعنى المتقدم وقد تفطن إلى هذه الحقيقة غير واحد من محققي الأصول يقول القرافي: (( ونعني بحق العبد المحض أنه لو أسقطه لسقط وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى وهو أمره بإيصاله ذلك الحق إلى مستحقه فيوجد حق لله دون حق العبد، ولا يوجد حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط ) )وهذا المعنى هو ما صرح به الشاطبي في أكثر من موضع بل أسس تقسيماته على نفي وجود حق فردي على الخلوص ومن هنا قسم الحق إلى ثلاثة أقسام، يقول الشاطبي: (( وليس حكم شرعي بخال عن حق لله تعالى فإن جاء ما ظاهره حق للعبد مجرد كالقصاص فليس كذلك بإطلاق بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية ) )وهكذا الشأن في العادات - الحقوق والمعاملات.
ومن هنا نخلص إلى نتيجة مؤداها: انه لا وجود لحق مطلق للفرد بل ما من حق له إلا وهو مقيد وهكذا تكون الشريعة الإسلامية قد وازنت بين الفرد والمجتمع ولعل تلك الموازنة بين الحقوق عموما تبرز في أجلى صورها في أن التكاليف لوحظ في فرضها عدم إساءة استعمال الحق، وهذا المنع قد ورد مطلقا على جميع الحقوق فإنه بمقتضى هذا المبدأ لا يجوز للشخص أن يستعمل حقه إذا كان على علم بما يترتب على استعماله من ضرر فاحش يصيب الغير، أو كانت المصلحة التي يرمي إلى تحقيقها من استعمال حقه غير مشروعة، وكانت قليلة الأهمية وهو مبدأ أقره الفقه الإسلامي تطبيقا للحديث الشريف (( لا ضرر ولا ضرار ) )وأعمالا للقاعدتين الشرعيتين (درء المفاسد أولى من جلب المنافع) ، و (دفع أكبر الضررين بالأخف منهما) ، وبالرغم من أن مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق يعتبر المجال الطبيعي له من الناحية العملية هو علاقات الجوار وذلك للآيات والأحاديث الواردة في الحث على الإحسان إلى الجار والنهي عن إنزال الضرر به مثل قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) ولقوله (عليه الصلاة والسلام) : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ) )لكنه قد ورد صراحة في القرآن الكريم في غير الجوار مثل قوله تعالى في معرض الحديث عن الوصية: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) وهذا القيد لا يرد فقط على حق الإيصاء بل يتجاوز الأمر هذا الحق ليشمل كل المباحات اذ إنه لا يذكر المباح إلا وهو مقيد بعدم الضرر، فالحقوق الزوجية مثلا مقيدة بعدم المضارة الثابتة في قوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) وحقوق الأبناء مقيدة بذلك أيضا لقوله تعالى: (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) وهكذا تتقيد الحقوق بعدم الضرر.
ومبدأ عام التعسف في استعمال الحق يجد صداه في العديد من الوقائع والتطبيقات التي جرت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعهد الخلفاء الراشدين من ذلك ما روي (( أنه كان لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار وكان يدخل عليه وأهله فيؤذيه فشكا ذلك الأنصاري إلى رسول الله(صلى الله عليه وسلم) فقال له: بعه، فأبى قال: فاقلعه فأبى، قال: هبه ولك مثلها في الجنة فأبى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أنت مضار اذهب فاقلع نخله ))ولعل من أبرز تطبيقات هذا المبدأ في عصر الخلفاء الراشدين هي تلك القصة التي وقعت على عهد عمر في والتي