تتلخص في أن رجلا أراد أن يمرر خليجا من ارض جاره فأبى الجار فكلم فيه عمر بن الخطاب الذي أمر بدوره الرجل أن يخلي سبيله فقال: لا والله. فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي أولًا وأخرًا وهو لا يضرك؟ فقال الرجل: لا، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك وأمر أن يمر به.
وعلى الرغم من ان مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق تدعمه كل هذه الأدلة، وتؤكده الكثير من القواعد الفقهية التي تقضي بأن الشارع لم يجعل الحقوق ذات صبغة فردية وإنما هي تهدف إلى أداء وظيفة اجتماعية إلا أن الفقه الإسلامي لم يجر على نسق واحد في خصوص حق الملكية حيث عرف الفقه الإسلامي اتجاهين في حدود حق المالك في التصرف في ملكه.
الاتجاه الأول:
ذهب الحنابلة والمالكية ومتأخرو الحنفية - وهذا هو الاتجاه الذي ذهب إليه الفقهاء المحدثون بالجملة (1) إلى أن جميع الحقوق يرد عليها قيد عدم الضرر بما في ذلك حق الملكية فقد ورد في المدونة: (( قلت: أرأيت إن كان لي عرصة إلى جانب دور قوم فأردت أن أحدث في تلك العرصة حمامًا أو فرنا أو موضعًا لرحى فأبى على الجيران ذلك أيكون لهم أن يمنعوني في قول مالك قال: إن كان يحدث ضررًا على الجيران من الدخان وما أشبهه فلهم أن يمنعوك من ذلك، لأن مالكا قال: يمنع من ضرر جاره فإذا كان هذا ضررًا منع من ذلك. قلت: وكذلك إن كان حدادًا فاتخذ فيها كيرًا أو اتخذ فيها أفرانًا يسبك فيها الذهب والفضة، أو اتخذ فيها أرحية تضر بجدران الجيران، أو حفر فيها آبارًا أو كنيفا قرب جدران جيرانه منعته من ذلك؟ قال: نعم كذلك قال مالك قلت لابن القاسم: أرأيت إن كانت دار الرجل إلى جنب دار قوم ففتح في غرفته كوى، أو أبوابًا يشرف منها على دور جيرانه أيمنع من ذلك أم لا؟ قال مالك: يمنع من ذلك ) ).
وهذا الذي ذهب إليه المالكية هو ما ذهب إليه الحنابلة حيث قرروا فرض قيود على سلطان المالك وأنه ليس له التصرف في ملكه كما يشاء وإنما هو مقيد في تصرفاته بأن لا يلحق الضرر بالغير، فليس للمالك أن يبني في داره حامًا أو يحفر بئرًا إلى جنب حائط جاره وان كان في حده طالما أن ذلك يضر بالغير.
وقد أسس هذا الفريق رأيه على قوله (عليه الصلاة والسلام) : (( لا ضرر ولا ضرار ) )والى هذا الحديث استند متأخرو الحنفية في تقييدهم لسلطات الجار بعدم الضرر إضافة إلى الوازع الديني الذي يحمل الفرد على الإحسان إلى الجار قد ضعف مما يجب معه فرض قيد عدم التعسف في استعمال الحق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذهب الفقهاء المحدثون بالجملة إلى أن الملكية حق لصاحبها إلا أن لها وظيفة اجتماعية تبدو في صورة أعباء وتكاليف تفرض على المالك ضمانا للمصلحة العامة.
ويرى هؤلاء الفقهاء أن الملكية ذات طبيعة مزدوجة فردية واجتماعية فهي ليست ذات طبيعة فردية مطلقة أو ذات وظيفة اجتماعية خالصة فالقول بإنكار حرية التملك لا يضارعه في البطلان إلا الاتجاه نحو تقديس الملكية الشخصية إلى الحد الذي يحرم مسها لأي سبب من الأسباب حتى لو كان ذلك السبب ينبع من مصلحة المجتمع، فحرية التملك في الإسلام تبقى أمرا ضروريًا ونافعًا وواحدًا من بديهياته الفكرية والعملية حتى تصطدم بالحق وبالخير فإذا اصطدمت بحق الغير وخير المجتمع توقفت وأمكن الحد منها.