فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 74

اما على صعيد توزيع الثروة فإننا بغير أن نصل إلى إقرار قانون (الإملاق المطلق العام) لتراكم رأس المال الذي قال به (ماركس) نستطيع القول أن توزيع الثروة في ظل النظام الرأسمالي التقليدي تؤدي إلى البؤس والى أوضاع من المؤكد أنها لا إنسانية، فقد كشفت الوقائع في بريطانيا أنها غير مشرفة على الإطلاق لبلد متحضر، وكذلك الشأن في فرنسا وعلى حد تعبير بزرائيلي في روايته سيبل: (( كأن هذه الأوضاع لم تستلفت انتباه الجمعية التي تألفت لإلغاء عبودية الزنوج ) )وحتى نتبين حجم المأساة في توزيع الثروة نقتبس تلك الاحصائية التي أجراها الأستاذ (بيجو) قبل الحرب العالمية الثانية والتي تؤكد أن (1 %) واحد بالمئة من الأشخاص الذين يزيد عمرهم على 25 سنة في إنجلترا وويلز يملكون 60 % ستين بالمئة من الثروة الخاصة الكلية في حين أن 75 % من الأشخاص الذين يزيد عمرهم على 25 سنة في نفس البلاد يملكون 5 % من الثروة الكلية.

إن وظيفة النظام الاقتصادي اي نظام إنما هو بمقدار ما يحققه ذلك النظام من رفاه كلي للمجتمع، ومن إشباع حاجاته وهذا المعيار ليس معيارًا اصطلاحيًا تحكميًا، بل هو موضوعي يجد مبرراته في غاية الاقتصاد وأهدافه، وقد فشل النظام الرأسمالي التقليدي في تحقيق هذه الغايات وتلك الأهداف يدلنا إلى ذلك واقع المجتمع في ظل النظام الرأسمالي التقليدي خصوصًا إذا أخذنا بنظر الاعتبار تلك الأزمات الدورية التي ألمحنا إليها ومصاحبتها من قلة الدخول والبطالة وتقليل الأجور.

أما على صعيد الاحتكارات فأن انعدام أركان المنافسة قد أدى إلى ظهور الاحتكارات الضخمة والتي ظهرت على شكل تكتلات ومؤسسات ضخمة واتحادات، وللتدليل على حجم هذه الاحتكارات نقول: إن صناعة الحديد والصلب في أمريكا تملكها سبع عشرة مؤسة احتكارية تهيمن على 95 % من إنتاج الصلب في البلاد وان شركتين فقط من هذه الشركات تهيمن على نصف الانتاج، وهكذا الشأن في صناعة السيارات إذ أن ثلاث شركات تهيمن على 93 % من إنتاج السيارات في البلاد وهذه الظاهرة منتشرة في أغلب الدول الرأسمالية مما أتاح للعديد من المنتجين التحكم في مورد أو اكثر من الموارد الاقتصادية، او الاحتفاظ بأسرار العملية الإنتاجية لصنع سلعة ما في منشأة ما، أو التآمر فيما بينهم بتحديد كميات الإنتاج أو تحديد أسعار منتجاتهم، أو توزيع أسواق الاستهلاك عليهم. إن هذه الاحتكارات فضلأ عن أنها تصطدم مع مصلحة الجمهور في العديد من الأحيان ومع مصلحة المستهلك بالدرجة الأولى إلا أنها في ذات الوقت تؤدي إلى صعوبة دخول منافس جديد إلى سوق الإنتاج في فروع الإنتاج الضخمة التي تخضع للاحتكارات.

وخلاصة القول إن هذه العيوب سواء على المستوى الفكري الذي يمثله المذهب الفردي الاقتصادي، أو على مستوى الواقع الذي تمثله الرأسمالية التقليدية قد أدى إلى انهيار المذهب الفردي بنوعيه العملي والنظري، ودفع من غير وجه العديد من الكتاب الذين ينتمون إلى الرأسمالية ومنهجها أنفسهم إلى ضرورة إعادة النظر فيها وذلك من أمثال (مارشال) و (بيجو) وقد بلغت قمة تلك الصيحات بظهور النظرية الكنزية فقد أدرك هؤلاء وغيرهم انه أصبح من المستحيل في ظل الاقتصاد الحديث الاعتماد على اليد الخفية وتلك القوانين الاقتصادية الطبيعية في مهمة تحويل المصلحة الذاية إلى جهاز كفء قادر على مواجهة كل الاحتياجات الاجتماعية وذلك لأن نظام الحرية الاقتصادية غير المراقبة هو أبعد من أن يحقق انسجام المصالح ما بين مختلف الفعاليات الاقتصادية والمالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت