من حيث هو كذلك) وعرفه القرافي بأنه (حكم شرعي مقدر في العين أو المنفعة يقتضي تمكن من يضاف إليه من انتفاعه بالمملوك والعوض عنه من حيث هو كذلك) وذهب صاحب تهذيب الفروق إلى تعريفه بانه (إباحة شرعية في عين أو منفعة تقتضي تمكن صاحبها من الانتفاع بذلك العين أو المنفعة أو أخذ العوض عنهما من حيث هي كذلك) (1) .
ويلاحظ أن هذه التعاريف على الرغم من تغايرها واختلافها في المبنى إلا أنها متفقة من حيث المعنى والغايات التي تسعى إليها، وتلك الغايات تتحد بأن الملكية هي العلاقة التي أقرها الشارع بين الإنسان والمال الذي جعله مختصًا بها. بحيث باسطاعته أن ينفع في ملكيته بالوسائل والطرق كافة شريطة أن تكون في الحدود التي رسمها الشارع، وهذا واضح من تعريفات الشرعيين للملك إذ الكل متفق على تعريفه بأنه حكم شرعي سواء منهم من صرح بالحكم أم صرح بغيره كالإباحة أو الاختصاص إذ مرد هذا كله إلى الحكم، وهذا يعني أن مكنة المالك في التصرف في ملكه إنما تتم بسلطان من الشارع وذلك عندما يرتبه الشارع على السبب الشرعي فمستند الاستخلافه الفردي هو الحكم الشرعي وليس طبيعة الإنسان أو عقله كما أنه ليس توظيف المجتمع ولا إرادته (لأن ما هو حق للعبد إنما يثبت كونه حقًا له بإثبات الشرع له ذلك لا لكونه مستحقًا ذلك بحكم الأصل) .
ومن هنا فأن حق الفرد في التملك منبثق عن تخصيص الله بهذه الملكية بسبب مشروع وليس موظفًا من قبل الجماعة وهي المالك الحقيقي، لأن المالك احرز ملكيته من الله وبتخصيص من التشريع الإلهي نفسه واعتراف الشارع بهذا الحق للفرد يعد من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وقد قامت نصوص الشريعة الإسلامية وأنظمتها المختلفة على تحقيقه وتقريره بيد ان هذا الحق ليس حقًا مطلقًا يقوم على الاستبداد ذلك لأن للملكية وظيفة مزدوجة في واحد من وجهيها أنها وظيفة قبل الفرد وفي وجهها الآخر لها وظيفة قبل الجماعة وقد سبق وأن بينا هذا المعنى في الأساس الأول من أن الحق الفردي عمومًا وحق الملكية خصوصًا وهو حق شخصي له طبيعة مزدوجة ويتجلى الاتجاه الجماعي لهذا النمط من الاستخلاف الفردي في أن الشارع قد احاطه بمجموعة من الأعباء والتكاليف والقيود ولعل في مقدمة هذه القيود انه ألزم المالك في التصرف بملكه في الحدود المشروعة التي رسمها الشارع، فحرم الشارع على المالك اكتناز المال بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ومرد هذا التحريم أن في الامتناع عن إنفاق المال في الطرق المشروعة فيه تعطيل لاستثمار الأموال وفي تعطيله عن الاستثمار تعسف في استعمال الملكية أما استثمارها ففيه مرضاة للشارع بتنفيذ أوامره فحبس المال عن التداول واهمال المال بعدم توظيفه واكتنازه يعد تضييعًا للمال وهو منهي عنه بالنص ومن هذه القيود تحريم الشارع للاسراف والتبذير في الإنفاق لمناقضة هذا التصرف لقصد الشارع وحث المالك على الاعتدال في كل شي، كما حرم الشارع أكل أموال الناس بالباطل وحرم المعاملات الربوية كما أجاز الحجر على السفيه منعًا لتضرر المصلحة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد عرفت الملكية بتعاريف كثيرة لا تكاد تخرج بالجمله عما أسلفناه، فقد عرفه محمد يوسف موسى بانه: (( حيازة الشيء متى كان الحائز له قادرا وحده على التصرف فيها والانتفاع به عند عدم المانع الشرعي ) )، وعرفه الشيخ بدران ابو العينين بانه: (( علاقه شرعية بين الإنسان والشيء تجعلها مختصًا به اختصاصًا يمنع غيره عنها بحيث يمكنه التصرف فيها عند تحقق اهليتها للتصرف بكل الطرق الشائعة شرعًا وفي الحدود التي بينها الشرع ) )وقيل (( اخصاص بالشيء يمنع الغير عنه ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع ) ). وقيل انه (( اختصاص الإنسان بالشيء على وجه يمنع الغير منه ويمكن صاحبه من التصرف فيه ابتداء إلا لمانع شرعي يمنع ذلك ) )المدخل للفقه الإسلامي، أحمد عيسوي وقيل (( الملك التام من شأنه أن يتصرف به المالك تصرفًا مطلقًا فيما يملكه عينًا ومنفعه واسغلالً فينتفع بالعين المملوكة وبغلتها وثمارها وانتاجها ويتصرف في عينها بجميع التصرفات الجائزة ) ).