فالتوبة تكون من جميع الذنوب، أما المغفرة فلا تكون للمشرك أبدًا، فإن من مات وهو مشرك فلا يغفر الله تعالى له أبدًا، وأما من مات وهو مرتكب ذنوبًا من دون الشرك، فهو إلى رحمة الله ومشيئته: إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، كما هو فهم أهل السنة والجماعة، أما المعتزلة والخوارج فإنهم قالوا -حتى يُخَرِّجوا الآية على أصلهم الفاسد-: إنما يغفر الذنوب لمن تاب فَيُرَدُّ عليهم، ويقال: إن الله تعالى وصف نفسه بوصفين مختلفين: غافر الذنب وقابل التوب، فكيف يكون غافرًا فقط لمن تاب؟! وهذه الثلاثة الأوصاف لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهو يغفر الذنب لمن يشاء مالم يك مشركًا، ويقبل التوبة من كل من تاب من أي ذنب.
وهو شديد العقاب؛ حتى لا يقول أحد من الناس: (إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى غافر الذنب وقابل التوب، وبناءً على ذلك سأفعل ما أشاء) وهذا من فقه عمر رضي الله تعالى عنه، فقد كتب بهذه الآية إلى قدامة، ولو أنهم في البداية تذكروا أن الله شديد العقاب، وأنه قد حرم الخمر وسيعاقبهم بها لما شربوها واستحلوها، ولو أنهم في النهاية علموا أنه غافر الذنب وقابل التوب لما قنطوا ويئسوا من رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فهذا دليل على أن المؤمن لابد أن يكون دائمًا بين الخوف والرجاء، كما قال عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه وغيره من السلف:"الخوف والرجاء كجناحي الطائر للمؤمن"وللسلف عبارة مأثورة في هذا، قالوا:"من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري".