وقد سبق أن رأينا كيف تؤكد مادة"حي بن يقطان"في موسوعة"الويكبيديا"أن للرواية العربية تأثيرًا قويًّا على نظيرتها الإنجليزية. وهو رأي من الآراء المختلفة في هذه القضية التي ينقسم مقارنو الأدب بشأنها، إذ هناك من يتجاهل تلك الصلة ولا يتحدث عنها بل لا يومئ إليها مجرد إيماء، وكأنها لم تكن ولا يمكن أن تكون. وهناك مَن يؤكد أن ديفو إما سرق ما كتبه سيلكيرك البحار الاسكتلندي عن مغامراته الحقيقية المشابهة لما جاء في قصة"روبنسون كروزو"، تلك المغامرات التي نشرت أكثر من مرة قبل كتابة ديفو لروايته. وهناك مَن يشير إلى وجوه الشبه بين رواية ديفو ورواية ابن الطفيل، إلا أنه يردف ذلك بأنه لم يثبت أن ديفو قد استوحى كتاب الفيلسوف الأندلسي، إذ ليس هناك أي دليل على أنه قد وقع في يده فضلًا عن أن يكون قد قرأه. وهناك من يوافق على أنه لم يثبت تاريخيًّا أن ديفو قد اطلع على"حي بن يقطان"، بيد أن يحتم مع هذا أن يكون قد قرأها وتأثر بها.
يقول د. سعيد إبراهيم عبد الواحد في مقال له بعنوان"الترجمة إثراء للثقافات المختلفة"منشور في مجلة"ديوان العرب"الضوئية بتاريخ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2005 م عن"حي بن يقطان"أنها من أعظم قصص العصور الوسطى ابتكارًا. وقد كان لهذه القصة الأثر الفعال في الآداب الأوروبية بعد عصر النهضة، وذلك بعد أن ترجمت إلى لغات أجنبية مختلفة وانتشرت طبعاتها في كل مكان: فقد ترجمت إلى العبرية سنة 1280 م، 679 هـ على يد اليهودي إسحاق بن لطيف، ثم زاد عليها موشيه بن يشوا الملقب بالشرنوبي بعض الحواشي والشروح .. كان هذا عام 1349 م الموافق 750 هـ، وفي العام 1671 ظهرت طبعة جيدة تحمل النص العربي للقصة مع ترجمة لاتينية قام بها إدوارد بوكوك، وقد كانت مصدرا لعدة ترجمات ظهرت بالإنجليزية فيما بعد. كما تنسب إلى سبينوزا ترجمة لقصة"حي بن يقطان"من اللغة اللاتينية إلى اللغة الهولندية.
ويذكر فاروق سعد في كتابه عن"حي بن يقطان"أن جورج كيث قد قدم في العام 1674 م ترجمة رائعة باللغة الإنجليزية عن النص اللاتيني المترجم عن العربية أصلًا. وبعدها بعدة سنوات، أي: في العام 1686 م، ظهرت ترجمة أخرى للقصة من اللاتينية إلى الإنجليزية قام بها جورج آشويل. وفي عام 1708 م نشرت ترجمة إنجليزية لقصة"حي بن يقطان"أعدها سيمون أوكلي معتمدًا على النص العربي المحقق من بوكوك. وتتميز ترجمة أوكلي بأنها كاملة. أما عن الترجمات الحديثة فقد قام ب. برميل بترجمة"حي بن يقطان"إلى الإنجليزية عام 1904 م [1] .
(1) محمد غنيمي هلال، 1962 م, مرجع سابق, ص 46