الباب الأول:
في خطورة الخوض في هذه المسائل من غير علم
اعلم، بارك الله فيك، أن مسألة الحكم بالكفر على من أصله الإسلام من أخطر الأمور وأعظمها شأنا عند الله تعالى، وقد كثرت النصوص في التحذير من تكفير المسلمين بغير وجه حق، وذلك لأن التكفير من مسائل الأسماء والأحكام التي يترتب عليها جملة من الأمور في الدنيا والآخرة. ولذا وجب ألا يخوض فيها إلا العلماء الراسخون في العلم، البعيدون عن الهوى، كما أن الحكم عن المعين هو إجراء قضائي لا يجوز أن يقوم به من هب ودب دون نظر في وجود الشروط وانتفاء الموانع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في «الكيلانية» :
«اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل (الأسماء والأحكام) التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة ويتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان» [1] .
ولذا كان «من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون» كما يقول شيخ الإسلام في «منهاج السنة» [2] .
وإذا كان عدم تكفير الكافر الظاهر كفره خطأ ومزلقا عقديا قد ينقض إيمان صاحبه، فإن الإقدام على تكفير المسلم كذلك يعتبر خطأ ومزلقا عقديا، بل إن الخطأ في تكفير المسلم أشد من الخطأ في عدم تكفير الكافر، وذلك لأوجه:
الأول: أن تكفير المسلم فيه تكذيب لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ورد للنصوص من
(1) «مجموع الفتاوى» (12/ 468) جمع ابن قاسم العاصمي.
(2) «منهاج السنة» (5/ 251) بتحقيق محمد رشاد سالم.