فهرس الكتاب
اعلم، رحمك الله، أنه لا نزاع بين العلماء في أصل اعتبار عارض الجهل والتأويل والإكراه عند إجراء الأحكام سواء أكانت المخالفة في شئ من أصول الدين أم في شيء من فروعه، فمن ثبت له عقد الإسلام بالإقرار المجمل بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - تصديقا وانقيادا، أي الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة والبراءة من كل دين يخالف دين الإسلام فإن الأصل هو اعتبار عارض الجهل والتأويل والإكراه عند إجراء الحكم عليه، ووجوب التحقق من انتفاء هذه العوارض قبل دمغه بالحكم الذي يقتضيه من تلبس به من المخالفة، على تفصيل يطلب من مظانه في كتب الأصول.
على أنه إذا ثبت هذا، كما سنقرره بعون الله تعالى، فإن المنازعة قد تقع في التعيين في قضية بعينها، أو بالنسبة لشخص بعينه، وهذا مما تتفاوت فيه التقديرات، وهومن موارد الاجتهاد بلا خلاف بين أهل العلم.
فالحجة على العوام لا تقوم إلا عن علماء يثقون بهم، لأن العامي فرضه سؤال أهل الذكر ولا شأن له في النظر في النصوص أو استثمار الأحكام الشرعية منها، وقد تقوم عليهم برجل ولا تقوم بآخر، ولا ضابط لمن ترد إليه الفتوى بالنسبة لهم إلا التسامع والاستفاضة، وفي مثل هذا تتفاوت الاجتهادات. والحجة على العلماء تقوم بالحجج الشرعية المعتبرة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وقد يحسن عرضها رجل ولا يحسن عرضها آخر، وكم من حامل حق لا بصيرة له في إحيائه، وكم من قضية عادلة أضاعها محامون فاشلون فليس كل من حفظ دليلا أو دليلين في مسألة تقوم بمثله الحجة، بل الأصل في الحجة أنها لا تقوم إلا بالمجتهد أو بذي سلطان أو أمير مطاع. وهوالذي يعبر عنه الفقهاء بالاستتابة، وهي عمل قضائي [1] .
ولنذكر أدلة العذر بالجهل في الأصول فنقول وبالله نستعين [2] :
(1) «الثوابت والمتغيرات» لصالح الصاري (ص. 199) . وهذا الكتاب من أنفس ما قرأته، ومما ينبغي الاهتمام بتدريسه للشباب المسلم، وقد استفدنا منه في دراستنا هذه، وأول من نصحني بقراءته شيخنا أبو أنس عمر بن يوسف اليبرودي، رحمه الله تعالى.
(2) انظر: «العذر بالجهل وبلوغ الحجة» لأبي بصير عبد المنعم حليمة (ص.15) فما بعدها.