ثم هب أنهم كفروا فعلا فكيف تكفر جنودهم وهم يرون أنهم أمراء المؤمنين وحماة بيضة الإسلام. وعلى ذلك أدركوا علماءهم وصالحيهم؟!
فإن قيل: فماذا نقول في آل عثمان بعدما عبثوا بالأحكام الشرعية وادخلوا القوانين الوضعية وأجروها في محاكمهم بديار الإسلام؟
فالجواب: أن أقول أولا ما قاله العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله: «ولعمري إن الشبهة في هؤلاء الأمراء الواضعين للقوانين أشد والجواب عنهم أعسر، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر، وإن العقل ليعسر عليه أن يتصور أن مؤمنا مذعنا لدين الله، يعتقد أن كتابه يفرض عليه حكما ثم هو يغيره باختياره ويستبدل به حكما آخر بإرادته إعراضا عنه وتفضيلا لغيره عليه ويعتد مع ذلك بإيمانه وإسلامه» [1] .
ومع هذا فلا بد من تفصيل في هذا الموضوع لكي تتبين هذه المسائل العويصة وليس إصدار الحكم فيها بالسهولة التي يظنها الكثير من الشباب، هداهم الله تعالى.
تقدم أن هذا هو المناط الثاني لتكفير النجديين للدولة العثمانية، وحيث إن هذه الضلالة لم تدخل على القوم إلا في آخر أيامهم فإننا لا نجدها في كتب المتقدمين من النجديين، وأول من قرأت له تلميحات لها عبد اللطيف بن عبد الرحمن، كما نقلته عنه آنفا.
وقد وقفت على كلام لسليمان بن سحمان واضح صريح في ذلك لأنه عاصر خلع السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد، رحمه الله على يد حزب الاتحاد والترقي العلماني الخبيث الذي حول الدولة إلى نظام شبه علماني، ولم يبق من الشريعة الإسلامية إلا مجلة الأحكام العدلية وهي متعلقة بالمعاملات وأمور الأسرة، وهذه نفسها هيمنت عليها قوانين أخرى مأخوذة من قوانين أوروبية.
و هنا ننقل كلام ابن سحمان بطوله لتتضح لك الصورة، والله الموفق.
(1) «تفسير المنار» (6/ 407) .