ومن أدلة العذر بالجهل في أصل الدين ما حكاه الله تعالى عن الحواريين، رضي الله عنهم، مع المسيح عيسى عليه السلام في قوله سبحانه (المائدة: 112) : {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} .
قال إمام المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري، رحمه الله في تفسير قوله سبحانه: {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} : «قال عيسى للحواريين، راقبوا الله أيها القوم، وخافوا أن ينزل بكم من الله عقوبة على قولكم هذا، فإن الله لا يعجزه شئ أراده وفي شكهم في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء كفر به، فاتقوا الله أن ينزل بكم نقمته إن كنتم مؤمنين. يقول: إن كنتم مصدقيَّ على ما أتوعدكم به من عقوبة الله إياكم على قولكم: {هل يستطيع ربك} .
وفي قوله: {و نعلم أن قد صدقتنا} ، قال: فقد أنبأ هذا عن قيلهم إنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارا» [2] .
وقال أبو محمد بن حزم، رحمه الله: «فهؤلاء الحواريون الذين أثنى الله عز وجل عليهم قد قالوا بالجهل لعيسى عليه السلام هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟! ولم يبطل بذلك إيمانهم وهذا ما لا مخلص منه، وإنما كانوا يكفرون لوقالوا
(1) هذا الدليل أوردته استئناسا، فإن مناقشة المخالفين له فيها قوة ووجاهة، لكنه يصلح عاضدا للأدلة السالفة والآتية، كما أننا نقصد إيراد كلام علماء وأئمة في هذه المسألة التي بنى عليها النجديون دعوتهم وحركتهم، وتلقفها مخالفونا، هداهم الله تعالى. وانظر: «العذر بالجهل» (ص. 21) لأبي بصير.
(2) «جامع البيان» للطبري (7/ 130) .