ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين.» اهـ [1] .بطوله ونقلته لشدة أهميته.
تبين لك، بارك الله فيك، مما سبق توضيحه أن العثمانيين بدأوا بحماس شديد للإسلام وأنهم أضحوا خلفاء المسلمين سنة 920 هـ ولم يخرج عن طاعتهم والتسليم بخلافتهم إلا الرافضة في إيران والزيدية في اليمن، في بعض الأزمان، والإباضية في عمان والمغرب الأقصى وما دخل تحت طاعته من بلاد الصحراء والسودان.
وظهر من كلامنا أنهم حرروا بلاد الإسلام وفتحوا فتوحات كبيرة طال العهد بمثلها منذ زمن بني أمية. فكانوا شوكة الإسلام وظهر المسلمين القوى.
و مع ذلك كله فقد كان عندهم جور في الأحكام وظلم من الولاة، مع انحراف في فهم الدين ورثوه عمن سبقهم بطول العهد وبعد الوقت عن الرسالة النبوية.
وبينَّا ما ابتلى به العديد من الأمراء والوزراء والملأ من القوم من الفتنة بالحضارة الأوروبية وتقليد اليهود والنصارى حتى آل بهم الأمر سنة 1257 هـ، قبل حوالي تسعين سنة من انهيار الدولة. إلى العبث بالأحكام الشرعية والتحاكم إلى قوانين وضعية أخذوها عن الأوروبيين.
ورأينا كيف أن هذا العبث لم يسلم به لا الأمراء ولا العلماء ولا العامة. بل كان نتيجة صراع شديد بين تيار علماني مفتون بالغرب الكافر الملحد، وتيار إسلامي ينادي بالحفاظ على الدين ويحذر من العبث بأحكامه، وكان من رؤوسه الخليفة السلطان عبد الحميد الثاني ومن معه من رؤساء الجند والعلماء والصوفية.
وانتهى الصراع بتغلب العلمانيين وسيطرتهم الكاملة على مقاليد الحكم ثم إلغاء الخلافة وإعلان الجمهورية العلمانية سنة 1343 هـ.
(1) «عمدة التفسير» (1/ 613) ط. دار الوفاء الكاملة.