ثم قال له داود: أتطيب نفسك عن حقك فتبيعه بحكمك؟ فقال: ما تعطيني، فقال: أملأه لك إن شئت غنما وإن شئت بقرا وإن شئت إبلا، فقال: يا نبي الله زدني فإنما تشتريه لله (1) فلا تبخل عليّ، فقال له داود: احتكم فإنك لا تسألني (2) شيئا إلا أعطيتك، فقال: ابن لي حائطا قدر قامتي، ثم املأه لي ذهبا، فقال له داود، عليه السلام: نعم وهو في الله قليل.
فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل فقال: هذا والله التائب الصادق والمخلص (3) ، ثم قال: يا نبي الله قد علم الله، عز وجل، مني لمغفرة ذنب من ذنوبي وذنوب هؤلاء أحب إليّ من ملء الأرض ذهبا فكيف يظن هؤلاء أني أبخل عليهم وعلى نفسي بما أرجو به المغفرة لذنوبي وذنوبهم ولكني جربتهم رحمة لهم وشفقة عليهم وقد جعلته لله تعالى.
فأقبلوا على عمل مسجد بيت المقدس، وباشر داود العمل بنفسه وجعل الحجر (4) على عاتقه ويضعه بيده في مواضعه ومعه أحبار بني إسرائيل.
وروي (5) أن داود لما ابتدأه ورفعه قامة رجل أوحى الله إليه أني لم أقض ذلك على يديك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يده (6) ، وتوفي داود قبل إتمامه وله سبعون سنة، وقيل غير ذلك.
وأنزل الله عليه الزبور، وهو مائة وخمسون سورة بالعبرانية في خمسين منها ما يلقونه من بخت نصر، وفي خمسين ما يلقونه من الروم، وفي خمسين مواعظ وحكم، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود (7) ولا أحكام.
وكانت وفاته في يوم السبت أواخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى، عليه السلام (8) ، وملك داود أربعين سنة، وأوصى قبل موته بالملك إلى سليمان (9) ولده وأوصاه بعمارة بيت المقدس، وعين لذلك عدة بيوت أموال تحتوي
(1) لله أ د: + عز وجل ب ج: تعالى ه.
(2) لا تسألني أ ب ج ه: لا تطلب د / / ابن لي حائطا أ ب: ابن لي حيطا ج ه: أطلب منك أن تبني حيطا د.
(3) والمخلص أ: المخلص ب ج د ه.
(4) الحجر أ ب ج ه: الأحجار د / / مواضعه أ: موضعه ب ج د ه.
(5) ينظر: الطبري، تاريخ 1/ 485؛ ابن الأثير، الكامل 1/ 128.
(6) على يده أ ج ه: على يديه ب د / / داود أ: + عليه السلام ب ج د ه.
(7) ولا حدود ولا أحكام ب: ـ أ ج د ه.
(8) عليه السلام أ ج د ه: ع ب.
(9) إلى سليمان أ ب ج د: لسليمان ه.