القول الثاني: أن الصحابي من طالت صحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه، قال أبو المظفر السمعاني:"وهذا طريق الأصوليين" [1] .
وكأنهم استدلوا على ذلك بما رُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال:"الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين" [2] .
قلت: وفي إسناده عند الخطيب البغدادي محمد بن عمر الواقدي وهو متروك الحديث [3] .
وقال ابن الصلاح ردًا على هذا القول:"ولكن في عبارته ضيقٌ يوجب إلا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافًا في عده من الصحابة، وروينا عن شعبة عن موسي السّبلاني وأثني عليه خيرًا قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدٌ غيرك؟ قال: بقي ناس من الأعراب. قد رأوه فأما من صحبه فلا. إسناده جيد حدث به مسلم بحضرة أبي زرعة" [4] .
ولو صح قول سعيد ابن المسيب رحمه الله فإنه يُحمل والله أعلم على كمال الصحبة، وأعلى درجاتها، والله أعلم بالصواب.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أقوالًا أخرى شاذة في شروط الصحبة [5] .
وأختم بتعريف الحافظ ابن حجر رحمه الله للصحابي لما تميز به هذا التعريف من كونه جامعًا مانعًا، قال:"هو من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح، والمراد باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدها إلى الآخر وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدِهما الآخر، سواء كان ذلك بنفسه أم بغيره، والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم" (الصحابي من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -) لأنه يُخْرِج ابن أم مكتوم ونحوه من
(1) علوم الحديث لابن الصلاح ص 293، وانظر تدريب الرواي 2/ 669.
(2) الكفاية ص 50، وانظر علوم الحديث لابن الصلاح ص 293، وتدريب الرواي 2/ 669.
(3) انظر تدريب الرواي 2/ 671.
(4) علوم الحديث لابن الصلاح ص 294، وانظر تقريب النووي وشرحه تدريب الرواي 2/ 669.
(5) الإصابة 1/ 5.