فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 1051

الاجتهاد وكل مجتهد مصيب [1] ، وسيأتي الكلام في تلك الأمور في سورة الحجرات مبينة إن شاء الله تعالى" [2] ."

ثانيًا: الأدلة من السنة:

أما دلالة السنة على عدالتهم وفضلهم فتتضح من خلال هذه النصوص:

من ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إلا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" [3] .

وقد صدر منه هذا الكلام في حجة الوداع التي يربو من شهدها على المائة ألف.

قال ابن حبان رحمه الله:" (وفي قوله صلى الله عليه وسلم: إلا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم وقال: (إلا ليبلغ فلانٌ منكم الغائب) فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفًا)" [4] .

(1) هذا كلام مطلق من القرطبي يحتاج لتفصيل، اختصرُ الجواب عليه بما قاله ابن تيمية جوابًا عن سؤال ورده هل كل مجتهد مصيب؟ قال رحمه الله"إن لفظ الخطأ قد يراد به الإثم، وقد يراد به عدم العلم، فإن أريد الأول، فكل مجتهد اتقى الله ما استطاع فهو مصيب، فإنه مطيع لله ليس بآثم ولا مذموم، وإن أريد الثانى فقد يُخص بعض المجتهدين بعلم خفي على غيره ويكون ذلك علمًا بحقيقة الأمر لو أطلع عليه الآخر لوجب عليه اتباعه، لكن سقط عنه وجوب اتباعه لعجزه عنه، وله أجر على اجتهاده، ولكن الواصل إلى الصواب له أجران، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر) "مجموع الفتاوى 20/ 19. وقال الشوكاني بعد ذكره للحديث المتقدم:"فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له: مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له: مخطئ، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبًا! واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر، فمن قال: كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأً بينًا، وخالف الصواب مخالفة ظاهرة، فان النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المجتهدين قسمين: قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا، ولو كان كل واحد منهم مصيبًا لم يكن لهذا التقسيم معنى! وهكذا من قال: إن الحق واحدٌ ومخالفه آثم فإن هذا الحديث يرد عليه ردًا بينًا ويدفعه دفعًا ظاهرًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى من لم يوافق الحق في اجتهاده مخطئًا، ورتب على ذلك استحقاقه للأجر"إرشاد الفحول ص 437.

(2) الجامع لأحكام القرآن 16/ 299.

(3) صحيح البخاري 1/ 52، رقم 105.

(4) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 1/ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت