ومن الأحاديث التي نستنبط منها العدالة ما رواه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [1] .
ففي هذا الحديث شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة بالخيرية المطلقة، وهي متضمنة للعدالة، فإن قيل هناك من صحب النبي صلى الله عليه وسلم لكنه من المنافقين الذين يبطنون الكفر فكيف عممتم؟ قلنا: هؤلاء قد اتضح أمرهم بنص القرآن الكريم فهم مستثنون، ولا يعدون من الناحية الشرعية من الصحابة، لأن الصحابي من رأى النبي صلى الله عليه وسلم حال إسلامه ومات على الإسلام) وهؤلاء المنافقون إنما يموتون على الكفر.
ومن الأدلة ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"(لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" [2] .
ففي هذا الحديث بيان لعلو قدرهم وكبر فضلهم، والدرجات العلى التي وصلوا لها بجهادهم وإنفاقهم وجودهم بالغالي والنفيس، وكل ذلك يدل على كمال إيمانهم بالله تعالى، وهذه الصفات من لوازمها العدالة.
ولذلك قال الخطيب البغدادي بعد أن ذكر الأدلة على عدالة الصحابة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة:"والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له، واختياره لهم في نص القرآن على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الأباء والأولاد،"
(1) صحيح البخاري 2/رقم 2509، ومسلم 4/رقم 2535.
(2) صحيح البخاري 3/رقم 3470، ومسلم 4/رقم 2540.