بدليل، وإنما يدل اختلافهم على تسويغ الاجتهاد في كلا القولين، أما على الأخذ به -يعني بدون مرجح- [1] فلا، وأما رجوع عمر إلى قول معاذ؛ فلأنه بان له الحق بدليله فرجع إليه [2] .
وقال العلائي:"واحتج ابن عبد البر لما ذهب إليه الجمهور أنه لا يتخير بين أقوال الصحابة عند اختلافهم، بل يرجع إلى ما يترجح به من خارج باتفاق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على تخطئة بعضهم بعضًا، ورجوع بعضهم إلى قول غيره عند مخالفته إياه" [3] .
وقال ابن القيم:"الأصل الثالث من أصوله [أي أحمد] إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكي الخلاف فيها ولم يجزم بقول" [4] .
وقد نسب ابن القيم ذلك للشافعي أيضًا قال:"ومن أصول أحمد الأخذ بالحديث ما وجد إليه سبيلا، فإن تعذر فقول الصحابي، ما لم يخالف، فإن اختلف أخذ من أقوالهم بأقواها دليلًا، وكثيرًا ما يختلف قوله عند اختلاف أقوال الصحابة، فإن تعذر عليه ذلك كله أخذ بالقياس عند الضرورة، وهذا قريب من أصول الشافعي بل هما عليه متفقان" [5] .
ولهم مسالك في الترجيح بين أقوال الصحابة، كترجيحهم رواية أكابر الصحابة على غيرهم، وترجيح رواية متقدم الإسلام منهم على غيره في قول، وترجيح متأخر الإسلام في قول آخر، وترجيح رواية الأكثر صحبة، وترجيح من تقدمت هجرته [6] .
(1) هذا توضيح من العلائي لكلام ابن قدامة.
(2) انظر روضة الناظر ص 166.
(3) إجمال الإصابة ص 81.
(4) إعلام الموقعين 1/ 31.
(5) بدائع الفوائد 4/ 835، وإعلام الموقعين 4/ 122، قلت: ويؤكد ما قاله ابن القيم ما نص عليه الإمام الشافعي في الرسالة ص 597 - 598.
(6) انظر بسط هذه المسألة وصورها في شرح الكوكب المنير 4/ 642 - 647، وإعلام الموقعين 4/ 119، وانظر أصول مذهب أحمد ص 453.