سفيان يعني بن عيينة يقول: أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحدًا صغيرًا ولا كبيرًا يعرف حديث الزنجي الذي قالوا أنه وقع في زمزم ما سمعت أحدًا يقول: نزح زمزم""
وقال البيهقي في الكبرى 1/ 266:"قال الشافعي لمخالفيه: قد رويتم عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"الماء لا ينجسه شئ". أفترى أن ابن عباس يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرًا ويتركه إن كانت هذه روايته، وتروون عنه أنه توضأ من غدير يدافع جيفة، وتروون عنه"الماء لا ينجس"فإن كان شيءٌ من هذا صحيحًا، فهو يدل على أنه لم ينزح زمزم للنجاسة ولكن للتنظيف إن كان فعل، وزمزم للشرب وقد يكون الدم ظهر على الماء حتى رئي فيه".
الخلاصة: يظهر لي ما يلي:
1 -أن الأثر بطريقيه الصحيحين إلى ابن سيرين وقتادة عن ابن عباس يصح ويتقوى أحد المرسلين بالآخر، لاسيما وأن الواسطة بين ابن سيرين وابن عباس معلومة وهو عكرمة [1] ، يضاف ذلك للروايات الأخرى الضعيفة إلى ابن عباس والتي ذكرها البيهقي وهي تزيد الأثر قوة وثبوتا.
2 -أن ثبوت هذا الأثر لا يتعارض مع ما صح عن ابن عباس من (أن الماء لا ينجسه شيء) ، لأن هذه حادثة عين لا عموم لها، فلربما حمله على ذلك أن دمه غلب على الماء فغيره، أو فعله استحبابًا وتنظفًا فإن النفس تعافه [2] ، وعليه فلا ينبغي أن يُتعسف في تضعيف الأثر ونفي صحته.
3 -أما إنكار ابن عيينة لقصة الزنجي، وأنه لم يسمع بها وقد لبث في مكة سبعين سنة، وقتادة وابن سيرين ليسا من أهل مكة، فكيف يعرفان ما لم يعرفه أهل مكة، فهذا مع قوته إلا أن من علم وبلغه حجة على من لم يعلم، والروايات المرسلة الصحيحة والضعيفة قد تعددت عن ابن عباس.
4 -يُحتمل أن يكون الأصح أن هذه الحادثة حصلت في عهد ابن الزبير، وأن نسبتها لابن عباس من باب الوهم، لاعتبارات:
(1) انظر ما قاله الأعظمي في حاشية عبدالرزاق 1/ 83.
(2) انظر المجموع للنووي 1/ 174.