فهرس الكتاب
ومنها: ... أن التصديق نفسه يتفاضل، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان وأميط عنه كل أذى وحسبان حتى بلغ أعلى الدرجات، درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد. وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد. ولهذا كان المشايخ -أهل المعرفة والتحقيق السالكون إلى الله أقصد طريق- متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث. [1] . ... قال النووى: ... فَالْأَظْهَرُ - وَاَللَّه أَعْلَمُ - أَنَّ نَفْس التَّصْدِيق يَزِيد بِكَثْرَةِ النَّظَر وَتَظَاهُرِ الْأَدِلَّة وَلِهَذَا يَكُون إِيمَان الصِّدِّيقِينَ أَقْوَى مِنْ إِيمَان غَيْرهمْ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيهِمْ الشُّبَهُ، وَلَا يَتَزَلْزَلُ إِيمَانُهُمْ بِعَارِضٍ، بَلْ لَا تَزَالُ قُلُوبُهُمْ مُنْشَرِحَةً نَيِّرَةً وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمْ الْأَحْوَال، وَأَمَّا غَيْرهمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَة وَمَنْ قَارَبَهُمْ وَنَحْوِهِمْ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ. وَلَا يَتَشَكَّك عَاقِل فِي أَنَّ نَفْس تَصْدِيق أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لَا يُسَاوِيهِ تَصْدِيقُ آحَاد النَّاس؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه: قَالَ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة: أَدْرَكْت ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -كُلّهمْ يَخَاف النِّفَاق عَلَى نَفْسه، مَا مِنْهُمْ أَحَد يَقُول إِنَّهُ عَلَى إِيمَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل. وَاَللَّه أَعْلَمُ [2] .
قال ابن حجر: ... والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديق أقوى من إيمان غيره بحيث لا يعتريه الشبهة. ويؤيده
(1) مجموع الفتاوى (6/ 481)
(2) شرح صحيح مسلم للنووى (1/ 69) تنبيه: وعليه فإن التصديق القلبي يزيد وينقص، وقد ذهب ابن حزم أن التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لذا فلما أراد أن يثبت أن أعمال الجوارح داخلة في الإيمان، استدل على ذلك بما ثبت أن الإيمان يزيد وينقص، ومثل هذا- أي الزيادة والنقصان - لما لم يكن في تصديق القلب، دل أن أعمال الجوارح من الإيمان.