وهذا هو مذهب الكليني في بيان حقيقة عينية الصفات للذات، وإن لم يرد هذا اللفظ عنده بعينه؛ لأن القول بأن صفات الله تعالى عين ذاته، وأنه عليم بلا علم أو قدير بلا قدرة بل بذاته، ملازم لهذا المبدأ؛ وسبب قولهم بهذا المبدأ في الأساس، دفعًا منهم على تشنيع مثبتة الصفات عليهم، وردًا منهم على احتجاج المثبتة: بأن وجود الأثر يدل على المؤثر، واستحالة الجمع بين النقيضين، وهو النفي والإثبات، بقولهم: عالم بغير علم وهذا نفي، وقولهم: هي عين الذات وهذا بالنسبة لهم إثبات، فكان هذا المبدأ هروبًا من هذه الملازمات لهم، فأثبتوا أثر الصفات ومعانيها دون إثباتها، وذلك برد حقيقة التأثير إلى الذات دون الصفات بقولهم: أنها عين الذات، مثل القول بأن الله سمي سميعًا؛ لأنه لا يخفى عليه ما يدرك بالأسماع، فسماعه أثر وجود الصفة، فأرجعوا هذا الأثر لذاته دون صفة السمع، وعدّوا هذا إثباتًا، هذا بالنسبة لمعنى الإثبات أما معنى النفي، فقالوا سميع بغير سمع، لانكشاف المسموع بغير سمع إنما بذاته، [1] والأدلة على وجود هذه العلاقة في روايات الكافي كما يلي:
1 -ذكر الكليني رواية عن أبي جعفر يرد فيها حقيقة اتصاف الله بالصفات إلى النفي، وإلى معنى الصفة وأثرها دون إثباتها، ودليل ذلك روى أن أبا جعفر قال:"فَقَوْلُكَ: إِنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ، خَبَّرْتَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شيء، فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْعَجْزَ، وَجَعَلْتَ الْعَجْزَ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ: عَالِمٌ، إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ، وَجَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ، وَإِذَا أَفْنَى اللَّهُ الْأَشْيَاءَ أَفْنَى الصُّورَةَ وَالْهِجَاءَ وَالتَّقْطِيعَ، وَلَا يَزَالُ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: فَكَيْفَ سَمَّيْنَا رَبَّنَا سَمِيعًا؟! فَقَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَسْمَاعِ، وَلَمْ نَصِفْهُ بِالسَّمْعِ الْمَعْقُولِ فِي الرَّأْسِ، [2] وَكَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ بَصِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يُدْرَكُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ لَوْنٍ، أَوْ شَخْصٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ نَصِفْهُ بِبَصَر لَحْظَةِ الْعَيْنِ، وكَذَلِكَ سَمَّيْنَاهُ لَطِيفًا؛ لِعِلْمِهِ بِالشَّيء اللَّطِيفِ، مِثْلِ الْبَعُوضَةِ"، [3] والشاهد قوله: (فَقَوْلُكَ: إِنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ، خَبَّرْتَ أَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شيء، فَنَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْعَجْزَ، وَجَعَلْتَ الْعَجْزَ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ: عَالِمٌ، إِنَّمَا نَفَيْتَ بِالْكَلِمَةِ الْجَهْلَ، وَجَعَلْتَ الْجَهْلَ سِوَاهُ) والكلام واضح الدلالة على قوله بالنفي دون الإثبات، وأن معنى عينية الذات، نفي ضد الإثبات، وهذا ما دل عليه قول الكليني نفسه:"وَصِفَاتُ الذَّاتِ تَنْفِي عَنْهُ بِكُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا ضِدَّهَا ... ، فَالْعِلْمُ ضِدُّهُ الْجَهْلُ وَالْقُدْرَةُ ضِدُّهَا"
(1) انظر: صبري، موقف العلم والعقل والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين (3/ 123 - 124) .
(2) قوله: (لم نصفه بالسمع المعقول في الرأس) ليس إثباتًا للصفة ونفيًا للتشبيه، إنما إثبات لنفي الصفة بأننا لو قلنا أن الله سميع حقيقة دون تأويلها بمعناها بأن الله لا يخفى عليه شيء يستلزم التشبيه ووصفه بالسمع المعقول في الرأس، بناء على قياس الخالق على المخلوق وبناء النفي والإثبات على أساسه عند الكليني، وهذا ما سيظهر في النقطة التالية على وجه التفصيل -إن شاء الله تعالى-.
(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ معاني الأسماء واشتقاقها، 1/ 84 - 85: رقم الحديث 7] .