المطلب الأول: علاقة الصفات بالذات عند البخاري:
العلاقة بين الصفات والذات عند البخاري علاقة تضمن ولزوم، فالذات تتضمن الصفات لقيامها بها، ووجود الصفات يستلزم وجود ذات قائمة بها؛ لأن صفات الله تعالى إن لم تقم بذاته قامت بغيره وهذا محال، فالله - سبحانه وتعالى - لا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين، كما أنه لا يوجد شيء من صفات المخلوقين فيه، ووجود الذات تستلزم وجود صفات قائمة بها، وإلا جردت الذات عن صفاتها، وهو مستحيل، وهذا أصل التعطيل، [1] والأدلة على ذلك من صحيح البخاري ما يلي:
أولًا: الدليل على تضمن الذات للصفات.
ترجم البخاري رحمه الله تعالى لأحد الأبواب فقال:"بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ وَأَسَامِي اللَّهِ، وقال خبيب - رضي الله عنه: وذلك في ذات الإله، فذكر الذات باسمه تعالى"، [2] والشاهد من هذه الترجمة ترتيبه لهذه الألفاظ (الذات، والصفات، والأسماء) ، والظاهر أنه أراد بذلك بيان العلاقة بين الذات والصفات والأسماء، وبيان إثبات الصفات، فكأنه يقول باب ما يذكر في الذات، التي تستحيل أن تكون بلا صفات قائمة بها، وأخرَّ ذكر الأسماء؛ ليبين أن ذاته وصفاته تعالى داخلة في مسمى اسمه؛ لأنه من قال: عبدت الله تعالى فقد عبد ذات الله المتضمنة لصفات الكمال، [3] وهذا ما دل عليه ترجمته بقول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى} [الإسراء: 110] ، [4] والشاهد أن دعاء الله تعالى هو دعاء الذات المتصفة بالألوهية، ومثله دعاء الرحمن، هو دعاء الذات المتصفة بالرحمة، وروى البخاري في أول كتاب التوحيد عن عَائِشَةَ أنها قالت:"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ"
(1) انظر: البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 98) . الاسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ص: 165) . القناوي، حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر (ص: 89) . الذهبي، المنتقى من منهاج الاعتدال (ص: 90) ابن تيمية، الاستقامة (1/ 124) . الجامي، الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه (ص: 341) .
(2) البخاري، صحيح البخاري (9/ 120) .
(3) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 46) .
(4) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 115) .