اعتمد البخاري رحمه الله تعالى على آثار الصحابة والتابعين في تقرير العقيدة الصحيحة بشكل عام، ويدخل فيها توحيد الأسماء والصفات، فاستدل على فهم الصحابة والتابعين لكتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين، وأخذ التوحيد عنهم، بإرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلى الأمصار لتعليم الناس التوحيد، فكانت أول رواية رواها البخاري في كتاب التوحيد تتكلم عن إرسال معاذ إلى اليمن لتعليمهم التوحيد، [1] ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكلف أحدًا بالتبليغ إلا أن يعلمه ما سيبلغه، وهذا ما جعل البخاري وغيره من السلف يعتمد على آثار الصحابة والتابعين في تقرير العقيدة الصحيحة، وهناك أسباب أخرى منها:
1 -لأنهم الجيل الذين شهدوا نزول القرآن الكريم، ورباهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما في القرآن من العقائد، ومنها ما يتعلق بالتوحيد، وهذا ما يجعلهم الأعلم بمقاصد الآيات وفيم أنزلت، [2] وقد بين ابن القيم أن الأخذ بفتوى من قرب من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى من الأخذ بآراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين، وهلم جرا، وكلما كان العهد بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أقرب كان الصواب أغلب، [3] وقد روى البخاري في صحيحه ما يدل على هذه الأفضلية، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". [4]
2 -بعدهم عن التكلف والتعقيد في دين الله تعالى، وهذا ما دل عليه قول سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم", [5] وقد روى البخاري بسنده عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال:"كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ - رضي الله عنه - فَقَالَ: نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ". [6]
(1) انظر: [البخاري: صحيح البخاري، التوحيد/ ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله - سبحانه وتعالى -، 9/ 114: رقم الحديث 7371 - 7372] .
(2) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (7/ 390) .
(3) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 90) بتصرف.
(4) [البخاري: صحيح البخاري، الشهادات/ لاَ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ، 3/ 171: رقم الحديث 2651] .
(5) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 141) .
(6) [البخاري: صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة/ ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، 9/ 95: رقم الحديث 7293] .