مضى الكليني على نهج أسلافه من المعطلة، فكما نفى صفات الله تعالى، نفى رؤيته تعالى، [2] وبوب في ذلك بابًا خاصًا سماه: (إبطال الرؤية) ويقصد إبطال القول برؤية الله تعالى، [3] ثم أورد تحت هذا الباب اثنتي عشرة رواية كلها في نفي رؤية الله تعالى، استشهد ببعضها الشيعة في نفي رؤية الله تعالى يوم القيامة، [4] والكليني لم يفرق بين رؤية الله تعالى في الدنيا ورؤيته - سبحانه وتعالى - في الآخرة، فخلط بين الروايات التي تنفي الرؤية عن الله تعالى في الدنيا مع الروايات التي تنفي رؤيته - سبحانه وتعالى - في الآخرة؛ لهذا سنذكر الروايات حسب ترتيب الكليني مع إغفال الروايات المكررة.
وستكون المناقشة- إن شاء الله تعالى-، مناقشة مفصلة من خلال الرد المباشر بعد كل رواية يذكرها، ومناقشة مجملة في أخر المطلب:
1 -روى الكليني بسنده عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:"كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ - زين العابدين-؛ أَسْأَلُهُ كَيْفَ يَعْبُدُ الْعَبْدُ رَبَّهُ وهُوَ لَا يَرَاهُ؟! فَوَقَّعَ - عليه السلام: يَا أَبَا يُوسُفَ جَلَّ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ وَالْمُنْعِمُ عَلَيَّ وَعَلَى آبَائِي أَنْ يُرَى، قَالَ: وَسَأَلْتُهُ، هَلْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَبَّهُ؟ فَوَقَّعَ - عليه السلام: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقَلْبِهِ مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ مَا أَحَبَّ". [5] هنا بيّن أبو محمد أن الله تعالى منزّه عن الرؤية، وأن رؤية الله تعالى بالبصر مستحيلة، والممكنة هي رؤيته القلبية من خلال معرفته، وهذا معنى أن الله تعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته. [6]
2 -روى الكليني عن صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ:"سَأَلَنِي أَبُو قُرَّةَ الْمُحَدِّثُ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا ... ، فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: إِنَّا رُوِّينَا أَنَّ اللَّهَ قَسَمَ الرُّؤْيَةَ وَالْكَلَامَ بَيْنَ نَبِيَّيْنِ، فَقَسَمَ الْكَلَامَ لِمُوسَى - عليه السلام - وَلِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - الرُّؤْيَةَ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ - عليه السلام: فَمَنِ الْمُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ تعالى إِلَى الثَّقَلَيْنِ مِنَ الْجِنِّ"
(1) معتقد الشيعة في رؤية الله تعالى هو النفي، وإطلاق الكفر على من يثبته، قال المفيد:"لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار". المفيد، أوائل المقالات (ص: 57) . قال المظفر:"يلحق بالكافر من قال إنه يتراءى لخلقه يوم القيامة"المظفر، عقائد الامامية (ص: 23) .
(2) الجهمية والمعتزلة وبعض المرجئة والخوارج نفوا رؤية الله تعالى في الآخرة. انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (1/ 207) . المفيد، أوائل المقالات (ص: 57) . الهمداني، شرح الأصول الخمسة (ص: 232) .
(3) انظر: الكليني، أصول الكافي (1/ 70) .
(4) انظر: السبحاني، رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل الصريح (ص: 32) . الصدر، العقائد الحقة (ص: 54) .
(5) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 70: رقم الحديث 1] .
(6) انظر: الشيرازي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 147) .