المطلب الأول: مكانة توحيد الأسماء والصفات الإلهية عند البخاري.
يعدّ العلم بتوحيد الأسماء والصفات من أشرف العلوم على الإطلاق؛ لأن شرف العلم يشرف بموضوعه، وموضوع توحيد الأسماء والصفات هو العلم بالله، [1] والإيمان بالأسماء والصفات ومعرفتها:"هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان"، [2] والذي يدل على مكانة توحيد الأسماء والصفات عند البخاري، إيراده الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدل على شرف وعلو مكانة هذا التوحيد، سواء أكانت هذه المكانة، من حيث أقسام التوحيد الأخرى، أو من حيث الأثر والثمرات، وتفصيلها على النحو التالي:
أولًا: مكانة توحيد الأسماء والصفات بين أقسام التوحيد.
1 -توحيد الأسماء والصفات أصل للعلوم الدينية وشطر أقسام التوحيد.
يطلق على توحيد الأسماء والصفات التوحيد العلمي والخبري والمعرفي، [3] وكونه كذلك فهو الأصل للتوحيد العملي القصدي أي توحيد الألوهية؛ لأن العلم سابق للعمل، وإذا صح العلم صح العمل، والذي يدل على ذلك ما بوبه البخاري فقال:"باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] فبدأ بالعلم"، [4] وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - في أكثر من موضع في كتابه العزيز أن نعلم صفاته فقال الله تعالى: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34] ، وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [هود: 14] ، وقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) } [البقرة: 244] ، ومن المعلوم أن العلم إن لم يتبعه عمل كان وبالًا على صاحبه وحجة عليه.
2 -توحيد الأسماء والصفات شامل لبقية أقسام التوحيد.
توحيد الأسماء والصفات يشمل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له - سبحانه وتعالى -، والتي من جملتها: الرب، الخالق، الرازق، الملك، وهذه الأسماء والصفات تتضمن وتدل على توحيد
(1) انظر: ابن رجب، مجموع رسائل ابن رجب (1/ 41) . ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 69) .
(2) ابن القيم، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/ 324)
(3) انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية (ص: 89) .
(4) البخاري، صحيح البخاري (1/ 24) .