اعتمد البخاري في تقرير توحيد الأسماء والصفات الإلهية على الكتاب والسنة بالدرجة الأولى، فأفرد كتابًا مستقلًا في صحيحه أثراه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت هذا التوحيد، وسماه: (كتاب التوحيد) ، وفي بعض النسخ، (كتاب التوحيد والرد على الجهمية) ، وبعضها (ورد الجهمية) ، [1] وهذه الترجمة للكتاب تظهر مقصد البخاري رحمه الله تعالى، وهي إثبات التوحيد بشكل عام، والتركيز على توحيد الأسماء والصفات خاصة؛ لأن الجهمية هم أهل التعطيل لصفات الله تعالى والإلحاد في أسمائه، وقد سلك البخاري في تقرير هذا التوحيد مسلكًا يظهر من خلاله فقهه ومدى متانة علمه في هذا الجانب، فمنهجه لا يقتصر على ذكر الآيات والأحاديث النبوية على الأبواب دون فقه ومقصد، فقد يريد بذكر الآيات والأحاديث تأصيلات وتفريعات، ورد شبه وتقرير قواعد وعقائد بما دل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، وتفصيل ذلك على النحو التالي:
أولًا: طريقة البخاري في سرد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتقرير توحيد الأسماء والصفات.
ترجم البخاري - غالبًا- لتقرير توحيد الأسماء والصفات بالآيات القرآنية، وأدرج الأحاديث النبوية داخل الباب، وفعله هذا يدل على أمور منها:
1 -أن معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية تؤخذ من جهة الكتاب والسنة، ولا تؤخذ من جهة العقل والقياس والرأي، ومثال ذلك ما رواه البخاري عن سليمان التيمي [2] أنه قال:"لو سئلت أين الله تعالى؟ لقلت في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت لا أعلم. - فقال البخاري-: وذلك لقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255] يعني إلا بما بيّن"، [3] وبوب في كتاب
(1) انظر: الكرماني، الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (25/ 95) .
(2) هو أبو المُعْتَمِر، سُلَيْمان بن طَرْخان التَّيْمي البصري، مولى لبني مُرَّة، وكان نازلًا بينهم، فلمَّا تكلم بإِثبات القدر، أخرجوه، فقبله بنو تَيْم، وقدَّموه، فصار إِمامهم، ونسب إِليهم. سمع أنس بن مالك، والحسن البصري، وأبا عثمان النَّهْدي، وأبا نَضرة. روى عنه ابنه المُعْتَمِر، والثَّوْري، وشُعبة. كان إِمامًا ربانيًا زاهدًا ورعًا عالمًا. وثقه: ابن معين. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة (143 ه) . انظر: ابن الأثير، جامع الأصول (12/ 472) . الذهبي، سير أعلام النبلاء (4/ 596) . بتصرف.
(3) البخاري، خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 37) .