المطلب الأول: نماذج من الصفات الفعلية عند البخاري في صحيحه.
أولًا: صفة الكلام. [1]
كثر الجدال في عهد البخاري رحمه الله تعالى حول إثبات صفة الكلام وما يتعلق بها من الصوت والحرف، مما جعل البخاري يكثر من الاستدلال على إثباتها، فبوب لإثباتها خمسة أبواب وأدرج تحت هذه الأبواب الأحاديث الدالة عليها، وتفصيلها كما يلي: [2]
الباب الأول: قرر فيه أن الله تعالى يتكلم بصوت يُسمع، وأن كلامه صفة قائمة بذاته وغير مخلوق، فبدأ بقول الله تعالى: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} [سبأ: 23] ، علق البخاري على محل الشاهد فقال: (وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ) ، وأراد البخاري بذلك أن يبين أزلية صفة الكلام، وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين، وأنه صفة قائمة بذاته تعالى، [3] وأنه يتكلم بصوت مسموع؛ والذي دل على أنه مسموع، سؤال الملائكة لبعضهم عن قول الله تعالى، وهذا ما دل عليه ما ذكره بعد الآية السابقة، فذكر قول الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] ، والإذن يكون بالكلام والأمر، وذلك يكون بصوت مسموع، [4] وليؤكد ذلك ساق قول ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - أنه قال:"إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شَيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا»: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ} [سبأ: 23] ثم أكد هذا المعتقد فذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:"يَحْشُرُ اللَّهُ العِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ"، [5] وعلق على هذه الرواية في كتاب خلق أفعال العباد فقال:"فَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ذِكْرُهُ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّ صَوْتَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُ أَصْوَاتَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ صَوْتَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ
(1) تعدّ صفة الكلام من الصفات الذاتية الفعلية، فهي ذاتية باعتبار لزومها للذات وباعتبار قدم نوعها، وفعلية باعتبار تعلقها بالمشيئة وحدوث آحادها. انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (12/ 372) . ابن أبي العز، شرح الطحاوية (1/ 174) . وذِكْرُها كنموذج في الصفات الفعلية؛ لأن أكثر الآيات والروايات الواردة التي ذكرها البخاري في صحيحه تدل على الماضي والمستقبل، ككلام الله تعالى يوم القيامة، وهذا يدل على آحادها التي تكون بمشيئته تعالى، وسبب أخر لإيجاد التوازن بين مطلب الصفات الذاتية والفعلية من حيث عدد الصفحات.
(2) قال الشيخ الغنيمان:"يريد بهذا تنويع الأدلة، وأن الله يتكلم متى شاء، ويكلم من يشاء". الغنيمان، شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 329) .
(3) انظر: ابن حجر، فتح الباري (13/ 453) .
(4) انظر: ابن عثيمين، شرح أصول البخاري (10/ 463) .
(5) البخاري، صحيح البخاري (9/ 141) بتصرف يسير.