ظهرت فرقة المعتزلة في القرن الثاني الهجري ما بين سنة 105 وسنة 110 هـ، بزعامة رجل يسمى واصل بن عطاء، [1] وقد ظهر بمبادئه المعروفة [2] من البصرة التي كانت مسكنًا للحسن البصري، ثم انتشر في الكوفة وبغداد، حتى وصلت بلاد العجم، [3] ومن هذه البلاد مدينة الري والتي فيها مسقط رأس الكليني، ولم يكن أهل السنة والجماعة بمنأى عما يحدث في العالم الإسلامي من بدع وأهواء، فكانت لهم صولات وجولات مع هؤلاء المبتدعة الذين بدلوا الوحي بآرائهم ومعقولاتهم الباطلة؛ لهذا انقسم العالم في ذاك الوقت إلى قسمين: قسم يدعو أصحابه إلى الحق والرجوع للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وذمّ علم الكلام والفلسفة وغيرهما، والقسم الأخر يدعو أصحابه إلى إعمال العقل في الأمور الغيبية؛ ولذلك أنكروا النصوص الواضحات والآيات المحكمات في سبيل نصرة مقدماتهم التي زعموا أنها أصل الدين، مثل: إثبات وجود الله تعالى من خلال الأدلة العقلية والمصطلحات غير الشرعية، كالجسم والعرض، والتركيب والأجزاء، فكان تأثير المدرسة الكلامية على أصحاب الأهواء؛ ولهذا اجتمع المعتزلة والشيعة أمام أهل السنة والجماعة، وهذا ما جاء مؤكدًا في المدخل إلى الكافي في مقدمة التحقيق أنهم قالوا:"تأثّرت الريّ كغيرها من مدن الإسلام بآراء المدرستين الآتيتين:"
1 -المدرسة السلفيّة: وهي المدرسة التي كانت تهدف إلى إحياء المفاهيم السلفيّة الموروثة عن السلف وتحكيمها في مناحي الحياة، ورفض المناظرة والجدل، ويمثّل هذه المدرسة الفقهاء والمحدّثون من العامّة، وقد بسطت هذه المدرسة نفوذها على مجمل الحركة الفكريّة في بلاد الإسلام، إلاّ في فترات محصورة ومحدودة ترجّحت فيها كفّة المدرسة الثانية.
(1) هو واصل بن عطاء، ولد سنة ثمانين، بالمدينة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، طرده الحسن عن مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر وأنه بمنزلة بين المنزلتين، فانضم إليه عمرو، واعتزلا حلقة الحسن، فسموا على ذلك المعتزلة. انظر: الذهبي. سير أعلام النبلاء (5/ 464) .
(2) أهم مبادئهم في العقيدة، الاعتقاد بالأصول الخمسة، وتتمثل: (بالتوحيد وهم بها على طريقة الجهمية، والعدل على طريقة القدرية، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طريقة الخوارج) وسموا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، ويلقبون بالقدرية، والعدلية. انظر: الشهرستاني، الملل والنحل (1/ 43) . عواجي، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (3/ 1164)
(3) انظر: الاسفراييني، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين (ص: 21) . عواجي، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (1/ 278) .