المطلب الأول: رؤية الله تعالى عند البخاري في صحيحه.
ينقسم الحديث عن رؤية الله تعالى إلى قسمين، القسم الأول: رؤية الله تعالى في الدنيا، وهذا القسم يتفرع عنه، الرؤية عيانًا والرؤية في المنام أو الفؤاد، والقسم الثاني: رؤية الله تعالى في الآخرة وهي لا تكون إلا عيانًا، وبيانهما كما يلي:
أولًا: رؤية الله تعالى في الدنيا.
أجمع السلف على أن الله تعالى لا يرى في الدنيا عيانًا، ولم يختلفوا إلا في رؤية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لله تعالى؟ [1] [2] وقد سئل ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا، فأجاب:"أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم في الآخرة، وأجمعوا على أنهم لا يرونه في الدنيا بأبصارهم ولم يتنازعوا إلا في النبي - صلى الله عليه وسلم -". [3]
(1) انظر: الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله - عز وجل - من التوحيد (2/ 738) . البغوي، شرح السنة (12/ 227) . المقدسي، الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 125) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى (3/ 390) .
(2) الخلاف بين الصحابة في رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف غير حقيقي؛ ومرجع الخلاف إلى فهم بعض المتأخرين لأقوال الصحابة رضي الله عنهم، فالفريق الأول المتمثل بعائشة وابن مسعود ينفي رؤية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لله تعالى بعينه ليلة الإسراء، والفريق الثاني المتمثل بابن عباس رضي الله عنهما جاء إثباته للرؤية دون تحديدها فيما هل يقصد الرؤية القلبية أم الرؤية البصرية؟ وبين ذلك ابن تيمية فقال:"لم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهما: أنهم قالوا إن محمدًا رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهم إما إطلاق الرؤية وإما تقييدها بالفؤاد وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه". ابن تيمية، مجموع الفتاوى (2/ 335) وقال كذلك:"فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) ، وعائشة أنكرت الرؤية، فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربه وتارة يقول رآه محمد؛ ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تارة يطلق الرؤية؛ وتارة يقول: رآه بفؤاده؛ ولم يقل أحد إنه سمع أحمد يقول رآه بعينه؛ لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين؛ كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين"، ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 509) . قال ابن حجر:"يمكن الجمع بين إثبات بن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب". ابن حجر، فتح الباري لابن حجر (8/ 608) . وانظر: ابن القيم، اجتماع الجيوش الإسلامية (2/ 48) . ابن الدماميني، مصابيح الجامع (8/ 417) .
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (6/ 512) .