الاعتصام بالكتاب والسنة، فقال: بَابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ ذَمِّ الرَّأْيِ وَتَكَلُّفِ القِيَاسِ، وقال في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ} [الإسراء: 36] «لاَ تَقُلْ» {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] ، وقال: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَيَقُولُ: «لاَ أَدْرِي» ، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلاَ بِقِيَاسٍ، [1] وهذا في كل أمور الدين فمن باب أولى أن يكون فيما يتعلق في الله - جل جلاله -.
2 -بيان موافقة الكتاب للسنة وأنهما من مشكاة واحدة، وأنه لا تعارض بينهما البتة، وأن رادَّ السنة الصحيحة كراد القرآن الكريم، وقد قرن الله تعالى في غير موضع بين كتابه وبين سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأمر بمدارستهما وعدهما من نعمه على العباد التي تستلزم شكره تعالى، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} [البقرة: 231] ، وقال تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34] ، وروى البخاري عن قتادة: أن الحكمة هي السنة، [2] وروى البخاري عن علقمة [3] أنه قال:"لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ ابن مسعود - رضي الله عنه -، الوَاشِمَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ". [4]
ثانيًا: طريقة البخاري في شرحه وتعليقاته على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لتقرير توحيد الأسماء والصفات.
جاءت طريقة البخاري في التعليق على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من غير شرح، إلا ما احتيج لبيان، فيكون شرحه موجزًا على قدر الحاجة، أو لبيان علاقة أو لتقرير حقيقة، أو لرد شبهة، ومن الأمثلة على ذلك:
1 -بوب بقول الله تعالى: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} [سبأ: 23] ثم قال:"وَلَمْ يَقُلْ: مَاذَا خَلَقَ رَبُّكُمْ"، [5]
(1) انظر: البخاري، صحيح البخاري (9/ 100)
(2) انظر: المرجع السابق (6/ 117) .
(3) هو أبو شبل، عَلْقَمة بن قَيْس بن مالك، من بني بكر بن النَّخَع النَّخَعي. روى عن عُمر، وعبد الله بن مسعود. روى عنه إِبراهيم، والشعبي، وابن سيرين. وهو تابعي مشهور كبير، اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته، وهو عم الأسود النَّخعي، مات سنة إِحدى وستين. انظر: ابن الأثير، جامع الأصول (12/ 708) .
(4) [البخاري: صحيح البخاري، اللباس/ المتنمصات، 7/ 166: رقم الحديث 5939] .
(5) المرجع السابق (9/ 104) .