فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 501

وَالْإِنْسِ، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] وَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ألَيْسَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -؟! قَالَ: بَلَى. قَالَ: كَيْفَ يجيء رَجُلٌ إِلَى الْخَلْقِ جَمِيعًا فَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تعالى، وَأَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تعالى بِأَمْرِ اللَّهِ - سبحانه وتعالى - فَيَقُولُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وَ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء} ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي، وَأَحَطْتُ بِهِ عِلْمًا، وَهُوَ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ، أَمَا تَسْتَحُونَ؟! مَا قَدَرَتِ الزَّنَادِقَةُ أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا، أَنْ يَكُونَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بشيء، ثُمَّ يَأْتِي بِخِلَافِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، قَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْر {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ - عليه السلام: إِنَّ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا رَأَى حَيْثُ قَالَ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] ، يَقُولُ مَا كَذَبَ فُؤَادُ مُحَمَّدٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَا رَأَى فَقَالَ: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] ، فَآيَاتُ اللَّهِ تعالى غَيْرُ اللَّهِ تعالى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْعِلْمُ، وَوَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ، فَقَالَ أَبُو قُرَّةَ: فَتُكَذِّبُ بِالرِّوَايَاتِ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ - عليه السلام: إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَاتُ مُخَالِفَةً لِلْقُرْآنِ كَذَّبْتُهَا، ومَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء. [1]

الرد:

إنّ الظاهر من الجدال بين أبي قرة وبين أبي الحسن في هذه الرواية يدور حول إثبات ونفي رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لله تعالى في معراجه إلى السماء، والحق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير الله تعالى بعينيه في حياته كلها، ولكن استدلال الكليني بهذه الرواية بما فيها من آيات على نفي رؤية الله تعالى في الآخرة - إن قصد ذلك - فاسد؛ لهذا يقال: هب أن قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} محمول على نفي الرؤية في الدنيا، فهذا لا يوجب انتفاءها في الآخرة؛ لأن هذا دليل عام، والدليل العام يبقى على عمومه إن لم يأت له مخصص، وقد جاء التخصيص على رؤية الله تعالى يوم القيامة في الكتاب والسنة، فلم يبق للنفاة تعلق بهذه الآية على ذلك؛ لأن الخاص مقدم على العام، [2] ووجه أخر، وهو أن يقال: الإدراك والإحاطة غير الرؤية؛ لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به، والرؤية هي المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك كما قال الله تعالى في قصة موسى - عليه السلام: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ

(1) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 70 - 71: رقم الحديث 2] .

(2) انظر: ابن بطال، شرح صحيح البخاري (10/ 461) . العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (2/ 648) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت