كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 61، 62] والشاهد أن سيدنا موسى - عليه السلام - نفى الادراك مع إثبات الرؤية، وعليه يكون المنفي هنا الإدراك والإحاطة دون الرؤية. [1]
وأما الاستدلال بقوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ، فهو استدلال فاسد، وقولهم: (فَإِذَا رَأَتْهُ الْأَبْصَارُ فَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ الْعِلْمُ) ، قول فاسد أيضًا؛ لأن الله تعالى يتكلم في الآية عن نفي الإحاطة لا نفي الرؤية، ولأن الرؤية لا تستلزم الإحاطة بالشيء وإحاطة العلم به؛ لأننا نرى السماء والبحر، ولكن لم يحط بصرنا بكل السماء أو البحر سواء علمًا أو إدراكًا، [2] والإحاطة بالأشياء المخلوقة علمًا ممتنعة على البشر فمن باب أولى أن تمتنع عليهم في حق الله تعالى حتى في وقوع الرؤية؛ لأن"الإحاطة بالشيء علما هي أن تعلم وجوده وجنسه وقدره وكيفيّته، وغرضه المقصود به وبإيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلّا لله تعالى"، [3] فإذا كان المخلوق عاجزًا عن الإحاطة بالمخلوق الذي هو مثله، فمن باب أولى أن يكون ذلك في الخالق الذي ليس كمثله شيء.
3 -روى عن مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ:"كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرضا - عليه السلام -، أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَمَا تَرْوِيهِ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يَشْرَحَ لِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ بِخَطِّهِ، اتَّفَقَ الْجَمِيعُ لَا تَمَانُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ ضَرُورَةٌ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُرَى اللَّهُ بِالْعَيْنِ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ ضَرُورَةً، ثُمَّ لَمْ تَخْلُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ إِيمَانًا أَوْ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَانًا فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ؛ لِأَنَّهَا ضِدُّهُ فَلَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَانًا، لَمْ تَخْلُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ، أَنْ تَزُولَ وَلَا تَزُولُ فِي الْمَعَادِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - لَا يُرَى بِالْعَيْنِ؛ إِذِ الْعَيْنُ تُؤَدِّي إِلَى مَا وَصَفْنَاهُ". [4]
الرد:
هذه الرواية احتوت على أسلوب فلسفي غرضه نفي الرؤية، وذلك بالقول أن المعرفة المترتب عليها الإيمان إما كسبية تفيد العلم الكسبي وإما عينية تفيد العلم الضروري، والاثنان ضدان لا يجتمعان، فإن كانت في الآخرة عينية فهذا نقض للإيمان الكسبي الدنيوي، فيثبت بذلك أن المعرفة كسبية فقط كما هو حاصل في الدنيا، وهي التي لا تزول؛ لأن بزوالها زوال الإيمان،
(1) انظر: الطبري، تفسير الطبري (12/ 15) . البغوي، تفسير البغوي (2/ 148 - 149) .
(2) انظر: الآجري، الشريعة (2/ 1048) .
(3) الأصبهاني، المفردات في غريب القرآن (ص: 265) .
(4) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 71: رقم الحديث 3] .