وزوالها يكون بالمعرفة البصرية. [1] وهذه شبهة أوهى من بيت العنكبوت، وبيان فسادها من عدة وجوه:
الوجه الأول: العلم الضروري والعلم الكسبي ليسا بضدين، والعلم الضروري ليس مقصورا على الرؤية والمشاهدة فقط؛ لهذا جاز أن يجتمعا في الدنيا، ومنها الاستدلال بدليل الفطرة على وجود الله تعالى، فهذا أمر ضروري وليس كسبي، وكذلك الأخبار الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ضروري وليس بكسبي. [2]
الوجه الثاني: الضروري لا يحتاج إلى نظر واستدلال، بخلاف الكسبي فهو يحتاج إلى نظر واستدلال، وليس معنى الضروري الرؤية وعدم الرؤية، فقد تتحقق الرؤية لشيء ما ولا يكون علم ضروري، ويحتاج إلى نظر واستدلال، كالنظر والاستدلال في صحة من يدعي النبوة، [3] وقد تكون المعرفة ضرورية بدون رؤية كتصديق الخبر المتواتر، [4] وهذا الكلام يبطل دعوى بطلان الإيمان في الدنيا بمجرد الرؤية، وهذا ما يظهره الوجه التالي.
الوجه الثالث: أن المعرفة الضرورية لا تبطل المعرفة الكسبية بل تؤكدها وتعضدها، وإن لم يكن كذلك فإن إيماننا بالجنة والنار الذي هو كسبي يبطل بمجرد رؤيتهما في الآخرة.
الوجه الرابع: أن الغاية من رؤية الله تعالى في الآخرة ليس للإيمان أو عدمه إنما هو للجزاء على الإيمان بالله تعالى بالغيب. [5]
3 -روى الكليني عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ:"كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ - عليه السلام -؛ أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ؟ فَكَتَبَ: لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ هَوَاءٌ، لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ، فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ لَمْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِيَ مَتَى سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ، وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ، وَكَانَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبَّبَاتِ". [6] [7]
الرد:
(1) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 172) . النائني، الحاشية على أصول الكافي (ص:326) .
(2) انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى (2/ 72) . ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 210) .
(3) انظر: الباقلاني. تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (ص: 27) .
(4) ابن الوزير، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (1/ 204) .
(5) انظر: العمراني، الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (2/ 642) .
(6) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 71: رقم الحديث 4] .
(7) السبب يحتاج إليه في حدوث المسبب، وهو ما يتوصل به إلى غيره، كانطلاق السهم سببه الرمي والانطلاق هو المسبب. انظر: ابن منظور، لسان العرب (1/ 458) . العسكري، الفروق اللغوية (ص: 74) .