فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 501

في هذه الرواية يحدد القائل سبب الرؤية حسب ما يشاهده، فالمشاهد أن الرؤية لا تكون إلا بوجود هواء بين المرئي والرائي، وهذا يقتضي التشبيه؛ لاشتراك الرائي مع المرئي في السبب، [1] ومعنى اتصال السبب بالمسبب عندهم كما قال الشيرازي:"أي لا يمكن انفكاك المعلول عن العلة، فلا يمكن القول بأنه تعالى مرئي من غير أن نقول بتحقيق سبب الرؤية". [2] وهذا باطل، من عدة وجوه:

الوجه الأول: هذا القول يخالف ما جاء في الكافي، من أن الله تعالى لا يقاس بالمخلوقين، [3] وهذا النفي مبني على قياس الله تعالى بالمخلوق؛ فهم لم يتصوروا مرئيًا إلا أن يكون بينه وبين الرائي هواء، فأنزلوا هذا الكلام على الله تعالى فعدّوا ذلك تشبيهًا فنفوا الرؤية، لهذا يقال لهم: ما يجوز على العبد لا يجوز على الله تعالى؛ لأن رؤية الله تعالى تختلف عن رؤية المخلوق، ولا ندرك حقيقتها ولا كيفيتها. [4]

الوجه الثاني: الاشتراك في الأسباب لا يقتضي التشبيه، وإن اقتضى التشبيه لاقتضى أن يكون الحيوان شبيهًا بالإنسان؛ لأنه يشترك في السبب مع الإنسان في الرؤية.

الوجه الثالث: أن الأسباب والمسببات في يد الله تعالى هو القادر على إجرائها أو تعطيلها، وقصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - مع ابنه إسماعيل - عليه السلام - لأكبر برهان، وكذلك قصة رميه في النار وعدم حرق النار له، وإذا علم ذلك، علم أن الله تعالى قادر على إجراء الرؤية بلا هواء - إن ثبت علميًا أن الرؤية لا تتحقق إلا بالهواء-.

الوجه الرابع: أحوال الأخرة لا تقاس على أحوال الدنيا، وقوانين الدنيا لا تقاس على قوانين الآخرة.

4 -روى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:"حَضَرْتُ أَبَا جَعْفَرٍ - عليه السلام -، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ أَيَّ شيء تَعْبُدُ؟ قَالَ: اللَّهَ تَعَالَى. قَالَ: رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: بَلْ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ، وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ، لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَلَا يُشَبَّهُ بِالنَّاسِ، مَوْصُوفٌ بِالْآيَاتِ، مَعْرُوفٌ بِالْعَلَامَاتِ، لَا يَجُورُ فِي حُكْمِهِ ذَلِكَ، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، قَالَ: فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ". [5]

(1) انظر: الكاشاني، الوافي (1/ 381) . الشيرازي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 159) .

(2) الشيرازي، جعفر، شرح أصول الكافي (2/ 160) .

(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 71: رقم الحديث 5] .

(4) انظر: الطحاوي، متن الطحاوية (ص: 43) .

(5) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ ابطال الرؤية، 1/ 71: رقم الحديث 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت