3 -جمعوا بين علمهم بلغة القرآن الكريم، وبين فهمهم لمقصد المتكلم، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لما خاطب الصحابة رضي الله عنهم بالكتاب والسنة عرّفهم المراد بتلك الألفاظ إلى جانب معرفتهم بلغة القرآن؛ ولهذا معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد أبلغوا تلك المعاني إلى التابعين، والتابعون أبلغوها إلى تابعيهم، وهكذا حتى وصلت إلينا، [1] وهذا ما جعل المتأخرين من السلف يستندون لأقوال المتقدمين عنهم، ويعدّونها حجة، وهذا ما كان عليه البخاري، حيث أُثر عنه أنه قال:"لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر، لقيتهم كرات قرنًا بعد قرن ثم قرنًا بعد قرن، أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة ... ، فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء"، [2] ثم ذكر معتقده مستأنسًا بموافقتهم لهذا المعتقد وعدم الاختلاف فيه، وكل ذلك مع ذكر الدليل من الكتاب والسنة لكل معتقد يقرره.
وأما مسلك البخاري في الاعتماد على أقوال الصحابة والتابعين في تقرير توحيد الأسماء والصفات، فهو يدور بين إثبات توحيد الأسماء والصفات، وبين الرد على المعطلة، والأمثلة على ذلك:
1 -روى عن مسروق، [3] عن عائشة رضي الله عنها، قالت:"من حدثك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه، فقد كذب، وهو يقول: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ، ومن حدثك أنه يعلم الغيب، فقد كذب، وهو يقول: لا يعلم الغيب إلا الله"، [4] تضمن كلام أمنا عائشة رضي الله عنها أمرين، الأمر الأول: إثبات نفي رؤية الله تعالى في الدنيا، والأمر الثاني: هو إثبات علم الله تعالى الغيب، ونفيه عن المخلوق. [5]
2 -روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ"
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (17/ 353) بتصرف.
(2) اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 194) .
(3) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهَمْداني الوادعي، أبو عائشة: (000 - 63 هـ) تابعي ثقة، من أهل اليمن، تبنه أمنا عائشة رضي الله عنها وهو صغير فسمى ابنته عائشة، قدم المدينة في أيام أبي بكر. وسكن الكوفة. وشهد حروب عليّ. وكان أعلم بالفتيا من شريح، وشريح أبصر منه بالقضاء، قال أحمد بن حنبل: قال ابن عيينة: بقي مسروق بعد علقمة لا يفضل عليه أحد، وقال يحيى بن معين: مسروق ثقة، لا يسأل عن مثله. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء (4/ 67) . الزركلي، الأعلام (7/ 215) .
(4) البخاري، صحيح البخاري (9/ 116) .
(5) انظر: ابن الملقن، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (23/ 302) .