إلى نفي أضدادها عنه"، [1] وهذا ما عليه الصدوق كما قرر ذلك في كتاب التوحيد، وهو ما عليه النّظام من المعتزلة. [2] "
المسلك الثاني: اعتماده على مبدأ المكاشفة، [3] والذي مبناه على مقدمتين، المقدمة الأولى: وهي القول بأن الصفات عين الذات، ورد هذه المعاني إلى معانٍ سلبية، وهو ما تم بيانه في النقطة السابقة، والمقدمة الثانية: أن الله عالم بغير علم، وسميع بغير سمع وقدير بغير قدرة، وحي بغير حياة إنما يكون ذلك بذاته، [4] فترتب على كلتا المقدمتين: أن الأمور تنكشف له من دون وساطة صفة قائمة بالذات كما هو حال الإنسان؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - عالم قبل العلم بغير علم، وقادر قبل القدرة بغير قدرة، [5] وهو قائم على نفي افتقار الله تعالى للصفات؛ لأن المخلوق يحتاج إلى الصفات لانكشاف الأمور له من خلالها، وهي غير الذات، أما الله تعالى فلا يحتاج إلي صفة مغايرة لذاته لتنكشف له الأشياء، بل بذاته تنكشف الأشياء عليه؛ ولذلك قالوا أن محصول الكلام، نفي الصفات، وإثبات نتائجها وغاياتها، وأن معنى يعلم بلا علم، أنه يعلم بانكشاف المعلوم له بذاته، ولا بحدوثها وحصولها، [6] وهذا مذهب الفلاسفة كما قرره نعمة الله الجزائري فقال:"والفلاسفة حققوا عينية الصفات، بأن ذاته تعالى من حيث أنه مبدأ لانكشاف الأشياء عليه علم، ولما كان مبدأ الانكشاف عين ذاته كان عالمًا بذاته، وكذا الحال في القدرة والإرادة، وغيرهما من الصفات". [7]
(1) المازندراني، شرح أصول الكافي (6/ 22) .
(2) انظر: الصدوق، التوحيد (ص:149) . الاشتهاردي، مدارك العروة (17/ 238) . الأشعري، مقالات الإسلاميين (1/ 137) .
(3) أصل الانكشاف من المكاشفة، وهو مصطلح فلسفي تلقفه عنهم الصوفية، ومعناه أن يرى ويسمع الرائي والسامع في نفسه ما يتمثل له من الحقائق، فيجعلون ما يرونه ويسمعونه إنما وجوده في أنفسهم لا في الخارج، والفلاسفة نفوا علم الله بالجزئيات بهذا المبدأ وقالوا أن علمه انكشاف الآثار بذاته، والصوفية نفوا المنقول وأخذوا بما تمليه عليهم الشياطين انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (5/ 356) . ابن تيمية، مجموع الفتاوى (11/ 227) .
(4) انظر: [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَ أَسْمَاءِ الْمَخْلُوقِينَ، 1/ 87: رقم الحديث 2] . [المرجع السابق، التوحيد/ بَابُ الْكَوْنِ وَ الْمَكَانِ، 1/ 66: رقم الحديث 3] .
(5) انظر: البهبهاني، الفوائد العلية (1/ 178) .
(6) المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول (2/ 14) بتصرف يسير.
(7) الجزائري، نور البراهين (1/ 356) . قال الشهرستاني:"والفرق بين قول القائل: عالم بذاته لا بعلم، وبين قول القائل: عالم بعلم هو ذاته: أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة. أو إثبات صفة هي بعينها ذات"الشهرستاني، الملل والنحل (1/ 50) . والكليني لا يقول بهذه ولا بهذه إنما يقول عالم بلا علم والعلم ذاته.