4 -الكليني يعتقد بأن صفات الله تعالى لم تزل في علمه أنه سيتصف بها، وليست قديمة بقدمه، فروى عن أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ:"كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي - عليه السلام - فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الرَّبِّ - سبحانه وتعالى - لَهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ فِي كِتَابِهِ، وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ هِيَ هُوَ؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ - عليه السلام: إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ وَجْهَيْنِ، إِنْ كُنْتَ تَقُولُ: هِيَ هُوَ، أَيْ إِنَّهُ ذُو عَدَدٍ وَكَثْرَةٍ فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَسْمَاءُ لَمْ تَزَلْ، فَإِنَّ لَمْ تَزَلْ مُحْتَمِلٌ مَعْنَيَيْنِ، فَإِنْ قُلْتَ: لَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَهُوَ مُسْتَحِقُّهَا, فَنَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ تَقُولُ لَمْ يَزَلْ تَصْوِيرُهَا وَهِجَاؤُهَا وَتَقْطِيعُ حُرُوفِهَا فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شيء غَيْرُهُ، بَلْ كَانَ اللَّهُ وَلَا خَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ"، [1] والشاهد من هذه الرواية قوله: (إن كنت تقول هو هي. أي أنه ذو عدد وكثرة فتعالى الله عن ذلك) فكأن هذه العبارة تبرير للقول بعينية الصفات مع نفي تعددها، وبمفهوم المخالفة للمقطع، أنه هو هي؛ لأنه ليس ذو عدد وكثرة، وما جاء بعد ذلك بيان لهذا المفهوم بأن أزليتها فقط يعود لعلمه بأنه سيتصف بها وسيسمى بها، لا لوجودها. [2]
5 -روى عن أَبَي عَبْدِ اللَّهِ أنه قال:"لَمْ يَزَلِ اللَّهُ - سبحانه وتعالى - رَبَّنَا، والْعِلْمُ ذَاتُهُ، وَلَا مَعْلُومَ، وَالسَّمْعُ ذَاتُهُ وَلَا مَسْمُوعَ، وَالْبَصَرُ ذَاتُهُ وَلَا مُبْصَرَ، وَالْقُدْرَةُ ذَاتُهُ ولا مقدور"، [3] قال نعمة الجزائري تعليقًا على هذه الرواية:"العلم عبارة عما هو مناط انكشاف المنكشف على العالم، وكون العالم مطلعا عليه، وهو فينا كيفية وقوة قائمة بذواتنا وأنفسنا، ولا كذلك في حقه سبحانه، إنما مناط هذه الأمور ثمة الأحدية المقدسة عن شوائب الكيفيات والقوى، فهو سبحانه موصوف بها بذاته"، [4] والحاصل من هذا أن معنى عليم بذاته أو بصير بذاته، أنه لا يخفى عليه ما يدرك وما يعلم؛ لأن مبدأ الانكشاف لهذه الحوادث يكون بعين ذاته. [5] وهذا تعطيل لصفات الله تعالى؛ لأنهم يعنون بذلك أنه لا يسمع بسمع ولا يبصر ببصر ولا يعلم بعلم إنما بانكشاف الحوادث.
ثالثًا: أسباب تبني هذه المقالة عند الكليني.
تبني هذه المقالة عند الكليني، والتي تقتضي نفي الصفات من أصله، مبنية على معتقد الكليني والروايات التي رواها في إثبات وجود الله تعالى من خلال إثبات حدوث الأجسام، وذلك من خلال صفاتها، كالتركيب والأجزاء وافتقار الموصوف لصفته والتعدد، والحركة والانتقال من حال إلى حال، الذي يمثل دليل الحدوث، والأعراض والجواهر، فقرر أن هذه الصفات دليل
(1) [الكليني، أصول الكافي، التوحيد/ معاني الأسماء واشتقاقها، 1/ 84: رقم الحديث 7] .
(2) انظر: عبد الجبار، هدي العقول (6/ 90 - 95) .
(3) [الكليني: أصول الكافي، التوحيد/ صفات الذات، 1/ 78: رقم الحديث 1] .
(4) الجزائري، نور البراهين (1/ 156) .
(5) الخرازي، بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية (1/ 77) .