حدوث الأجسام ومن خلالها تم إثبات وجود الله تعالى، ثم قاس صفات الله تعالى على هذه الصفات، فقرر أن إثباتها حقيقة لله تعالى دون تحريف معناها بالقول أنها عين ذاته، كما فعل في بعض الصفات الذاتية، وإرجاع معانيها إلى السلب المحض الذي لا إثبات فيه، أو بتأويلها بلوازمها ثم نفيها بالقول أنها مخلوقة له، كما فعل في الصفات الفعلية وبعض الصفات الذاتية كصفة الوجه، يلزم منه تشبيه الخالق بالمخلوق المركب المتجزئ والمفتقر لصفاته، ويستلزم حلول الحوادث فيه، وكل هذا يستلزم تعطيل ونفي وجود الله تعالى عندهم؛ لأنهم بهذه الأدلة أثبتوا وجود الله تعالى. [1]
والحاصل أنه قاس صفات الخالق على المخلوقين، فما اتصف به المخلوق وأطلق على الله تعالى يشترك العبد مع الرب فقط في اللفظ دون المعنى، وعليه قرر أن الصفات الموجودة وأطلقت على الله تعالى، اللفظ يثبت والصفة تنفى؛ لأن إثباتها يلزم منه التشبيه، والدليل على هذا الكلام قول الكليني في بيان معنى معرفة الله بالله فقال:"اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ: يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْخَاصَ، وَالْأَنْوَارَ وَالْجَوَاهِرَ وَالْأَعْيَانَ، فَالْأَعْيَانُ الْأَبْدَانُ، وَالْجَوَاهِرُ الْأَرْوَاحُ، وَهُوَ - سبحانه وتعالى - لَا يُشْبِهُ جِسْمًا، وَلَا رُوحًا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي خَلْقِ الرُّوحِ الْحَسَّاسِ الدَّرَّاكِ أَمْرٌ وَلَا سَبَبٌ، هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ، فَإِذَا نَفَى عَنْهُ الشَّبَهَيْنِ شَبَهَ الْأَبْدَانِ، وَشَبَهَ الْأَرْوَاحِ، فَقَدْ عَرَفَ اللَّهَ بِاللَّهِ، وَإِذَا شَبَّهَهُ بِالرُّوحِ أَوِ الْبَدَنِ أَوِ النُّورِ فَلَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِاللَّهِ"، [2] والشاهد من هذا الكلام أن معرفة الله تعالى تكون بنفي كل ما يتصف به المخلوق عن الله تعالى، قال أحمد عبد الجبار معنى اعرفوا الله بالله عند الكليني:"اعرفوه مسلوبًا عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر والأعراض"، [3] وقوله (فإذا نفى عنه الشبهين ... ) أي ما تتصف فيه هذه الأبدان والأرواح (فقد عرف الله بالله) أي بما يليق به، وهو أنّه هو الله المسلوب عنه صفات الخلق ومشابهتهم. [4]
وهذا الكلام ظاهره حسن ولكن حقيقته شين؛ لأن المقصد منه أن العبد يتصف بصفات قائمة به، والظاهر من اتصافه بهذه الصفات، التركيب والتجزئة والجسمية والأعراض، فأطلقوا أولًا على الصفات أنها أعراض وأجزاء وتركيب، ثم أنزلوا هذه الألفاظ على الله تعالى وقاسوها عليه، وقالوا: لو قلنا أن الله متصف بالصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه حقيقة دون تأويلها لاستلزم ذلك التشبيه، ولكان إبطال لقدمه، [5] فتوهم لهم أن القول بأن الله يسمع حقيقة
(1) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (4/ 197) . المظفر، عقائد الامامية (ص:30 - 31) .
(2) الكليني، أصول الكافي (1/ 63) .
(3) عبد الجبار، هدي العقول (2/ 428) .
(4) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي (3/ 82) .
(5) انظر: مغنية، في ظلال نهج البلاغة (1/ 20) . السبحاني، رسائل ومقالات (ص:270) .